
رحل الخوري سمير ضو في جريمة هزّت الضمير وأوجعت القلوب، وأعادت إلى الواجهة أسئلة موجعة عن الأمن والعدالة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل تعلّمنا من مآسينا، أم ما زلنا نحوّل العدالة إلى مادة للمساومات السياسية؟
ألم نتعلّم بعد من التجارب التي دفع اللبنانيون ثمنها من أمنهم وحياتهم؟ فبحسب إحصاءات قوى الأمن الداخلي الصادرة في آذار 2026، شكّل السوريون 28.95% من نزلاء السجون اللبنانية، بين موقوفين ومحكومين. وكان وزير الداخلية السابق بسام مولوي قد أعلن في أيلول 2023 أن السوريين يرتكبون أكثر من 30% من الجرائم في لبنان. وأمام هذه المعطيات، ألا يحق للبنانيين أن يتساءلوا عن الضمانات التي تحمي المجتمع وتصون حقوق الضحايا قبل إقرار أي عفو عام؟
عندما يُطرح العفو العام من دون ضمانات تحول دون الإفلات من العقاب، وعندما يشعر مرتكب الجريمة بأن أبواب السجن قد تُفتح أمامه قبل أن يستوفي العقوبة التي يستحقها، فإننا لا نكون أمام مجرّد تسوية سياسية، بل أمام خطر يهدّد العدالة وأمن المجتمع بأسره.
العفو العام ليس صكّ براءة، ولا رخصة للقتل، ولا ممحاة لدماء الضحايا.
جريمة مقتل الخوري سمير ضو ليست مجرد مأساة نضيفها إلى سجل الجرائم ثم نطوي صفحتها. إنها جرس إنذار جديد يفرض علينا أن نسأل : كم ضحية أخرى يجب أن تسقط قبل أن ندرك أن أمن الناس وحياتهم ليسا تفصيلًا في حسابات السياسيين؟
وكيف يمكن الحديث عن العفو العام فيما لا تزال دماء الضحايا تستصرخ العدالة؟
الخوري سمير ضو ليس اسمًا عابرًا في خبر مأساوي، ولا رقمًا يُضاف إلى سجلّ الضحايا. كان إنسانًا له وجه يعرفه أحبّاؤه، وصوت يألفونه، وحضور يملأ مكانه بين أهله وأبناء رعيته. واليوم، غاب الإنسان وبقي الوجع، وبقيت أسئلة لا تستطيع بيانات التعزية أن تجيب عنها.
وإلى الذين يشرّعون العفو ويعقدون التسويات، نقول: تذكّروا أن وراء كل جريمة بيتًا انطفأ فيه الفرح، وقلوبًا لن تعود كما كانت، وأهلًا ينتظرون عدالة لا تُساوَم ولا تُختصر بتوقيع أو قرار.
لا نريد لدم الخوري سمير ضو أن يصبح مادةً للاستثمار السياسي، ولا لقضيته أن تُطوى مع آخر سطر في بيان تعزية. نريد الحقيقة كاملة، وعدالة تُنصف الضحية، ومحاسبةً لا تستثني أحدًا.
ارقد بسلام، أيها الأب سمير. لقد أسكتت الجريمة صوتك، لكنها لن تستطيع أن تُسكت السؤال الذي تركه رحيلك في ضمير وطن: كم من الأبرياء يجب أن نفقد بعد، حتى نتعلّم أن حياة الإنسان أغلى من كل التسويات؟


