هـنـري زغـيـب
في الطريق إِليها، كانت تَتَنَاهى إِليَّ قصيدةُ سعيد عقل عنها في كتابه (غير المنشور بعد) “غَزَلْ وغَار”، ومطلعُها: “يِعْلا بَعدْ يا حلْوة الحلوين هَــ الْـ هُوْ جبينِكْ.. طلِّت بعقلين… يَلِّي مِنَا فينيقيا عادِتْلْنا تبْرُقْ.. عَ سيوفْ.. لِـمِّنْ عَ الدني تِشْرُقْ.. شَمس فخر الدين”!
وصَلْنا.. قاصدُ بعقلين لا يَضيع عن “خان القصر”، تَضُوع منه عُطورٌ وأَجواءُ صابونٍ وشُمُوعٍ ومعطَّراتٌ ومنتَجاتٌ طبيعيةٌ وعضْويةٌ للعناية بالبشَرة والجسم، وجُلُّها من زيت الزيتون.. نَجول في “القصر” الموزَّعة منتجاتُه حاملةً باعتزازٍ عبارة “صُنْع لبنان”..
ثم… إِلى “الترويقة” تحت.. “ننهمر” إِلى الـ”تحت”، فإِذا “المعصرة”، وفي باحتها وليمةٌ لبنانيةٌ عريقةٌ من أَشهى ما به يحلُم مَن يعرف أَطايبَ اللقمة الجبلية المجبولة بالأَيدي الطيِّبةِ، المباركةِ بالعزْم والنُبْل والكرامة.. “نُمارسُ” تلك الأَطايب.. خلْفَنا معصرةُ الزيتون.. حَولَنا تَرنو إِلينا من البعيد تلالٌ ومُنْبَسطاتٌ من دير دوريت وكفرحيم ودير القمر..
من لذائذ الخبز مغمَّسًا بزيت الزيتون، يواكبُنا إِلى “المعصرة” صاحبُها سليم غنَّام الذي يُديرها مع أَولاده.. يَدعونا إِلى رفْقَته في الرحلة الخصيبة منذ كُسُور أَغصان الزيتون، مرورًا بمراحلَ تقْنيةٍ دقيقةٍ تَمتَدُّ بين آلةٍ وأُخرى، من طَحن الحبُوب، إِلى فَصل البُذُور عنها، فإِلى معالجتها تتَاليًا، بُلُوغًا خاتمةَ الرحلة عند الزيت المصفَّى الشهيّ النقيّ، تَستقْبله المستوعباتُ لتَنْقُلَه إِلى التُجَّار والمخازن..
فيما نحن عند المرحلة الأَخيرة، أَمام الزيت المتقطِّر من أُمِّه الزيتونة، غِمْتُ إِلى هناك، إِلى كلِّ زيتونةٍ أُمٍّ في لبنان، إِلى جَلال صمْتها، إِلى عَرَاقة جذْعها الشاهدِ على مُخاصَرَة السنوات، ومُعاصَرَة العُقُود، ومُعايَشَة القُرون، ومُرافَقَة العصور..
وكان رائعًا غَيَمَاني في الذهاب إِلى نَشْوة الزيتون:
ذهبتُ إِلى قَولة متى مؤَرخًا يسوع: “ثُمَّ سَبَّحُوا وَخَرَجُوا إِلى جبل الزيتُون” (الفصل 26 – الآية 26)..
وذهبتُ إِلى ابتهال أُنسي الحاج: “أَيها الربُّ، إِحفظ حبيبتي .. أَطِلْ أَيَّامَها وجَدِّدْ ثم جَدِّدْ أَرضَها… إِلى أَن تُصبحَ جدَّةً عتيقةً مثل كُبرى شجرات الزيتون” (“الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع”-1975)..
وذهبتُ إِلى محمود درويش ووُقُوفه أَمام الزيتونةِ بإِجلال: “لا يقول لها أَحد: “كم أَنتِ جميلةٌ” بل “كم أَنتِ نبيلةٌ وجليلَة”.. فهي تُدرِّب الجنود على نزْع البنادق وتُمَرِّنُهم على الحنين والتواضع: “عُودُوا إِلى بيوتكم وأَضيئُوا بِزَيتيَ القناديل”. لكنَّ هؤُلاء الجنودَ الجدُدَ يحاصرونها بالجرَّافات، ويَجتَثُّونها من سُلالة الأَرض” (مقطوعته “شجرة الزيتون الثانية” من كتاب يومياته “أَثَر الفراشة”- 2008).. فَلْيَعلَمْ محمود في غيابه أَنَّ الوحش الذي كان يجتثُّ شجرات الزيتون من أَرض فلسطين، هو ذاته، بكل دينُوصُوريَّـتِـه، دخَل إِلى جنوب لبنان، وهجَّر ودَمَّر واغتال، وراح يقتلعُ شجرات الزيتون المباركة من أَعمق جذورها في أَرض جنوبنا المقدَّس..
إِنها الزيتونة، ذاتُ الحضور الراسخ، تَجَلَّت رموزُها في الأَدب اللبناني (جبران، ميخائيل نعيمه، عاصي ومنصور الرحباني، أَمين نخلة، …) دليلَ الهوية والصمود والنقاء والصفاء والسلام والارتباط بالأَرض.. وتماهَت بها ريشاتُ الرسامين اللبنانيين (مصطفى فروخ، عُمَر الأُنسي، جميل ملاعب، نزار ضاهر، …)..
إِنها الزيتونة حارسةُ الإِرث.. نتاجُ أَرضنا.. ذاكرةُ الأَشجار.. شهادة الأَيدي التي زرَعَت وَرَعَت.. في حبُوبها بهجةُ المواسم، ومنها زيتُ الطيبة والقداسة والبَرَكَة والشفاء..
أَعود من غَيَماني إِلى معصرة الغَنَّام.. نَشكُرُهُ وضيوفه على استقبالنا.. ونَنطلق عائدين عبْر بقعاتة، الجدَيدة، المختارة، بُطنَة، أَرز معاصر الشوف، عابرين الطرقات المتأَفْعِنَة في صدْر المقَلَب الشرقيّ من الباروك الشَهم.. وما هي، حتى نُطلَّ من فوق على كفريَّا… على رَحَابة السهل.. على البقاع ممدَّدًا أَمامَنا غنيًّا بأَرضه وخُصُوبته وكَرَمه.. على صورة الخصُوبة في كروم لبنان وبساتينه وحقُوله، تَماهيًا بكَرَمٍ لبنانيٍّ دائب ذُقْنا زيتونَه الرائب وزيتَه الذائب في ترويقة بعقلين.


