رجلٌ آمن بأن الدولة تُبنى و لا تُوَرَّث ، و أن الأوطان لا تُشَيَّد بالشعارات

نقولا الياس حنا – خاص nicolasnews
من نقابة المقاولين إلى رئاسة الرابطة المارونية… مسيرة رجلٍ اختار أن يجعل من البناء فلسفةً للحياة، ومن العمل العام مسؤوليةً وطنية، مؤمنًا بأن قوة لبنان لا تُقاس بضجيج السياسة، بل بمتانة مؤسساته وقدرتها على الصمود.
في وطنٍ أنهكته الأزمات، وتنازعت مكوّناته الانقسامات حتى أصابت مؤسساته بالوهن، لا يصنع الرجال مكانتهم بكثرة الخطابات، بل بما يتركونه من إنجازاتٍ راسخة. فالتاريخ لا يتوقف عند الذين تعاقبوا على المواقع، بل عند أولئك الذين حوّلوا المسؤولية إلى رسالة، والمنصب إلى أداةٍ للإصلاح، والعمل العام إلى التزامٍ يتجاوز المصالح الشخصية.
ضمن هذا المشهد، برز اسم المهندس مارون الحلو بهدوء الواثقين، بعيدًا عن الأضواء والصخب، ليكرّس حضوره من خلال الأداء لا الاستعراض، ومن خلال النتائج لا الوعود. وهكذا ارتبط اسمه بموقعين يُعدّان من أبرز المواقع المؤثرة في الحياة الاقتصادية والوطنية:
- نقيب مقاولي الأشغال العامة والبناء اللبنانية منذ عام 2010،

- ورئيس المجلس التنفيذي للرابطة المارونية بالإجماع منذ عام 2025.

لم يكن هذا الحضور وليد لحظة سياسية أو تسوية عابرة، بل ثمرة مسيرة مهنية ونقابية امتدت سنوات طويلة، بدأت في ورش البناء، وترسخت في العمل النقابي، قبل أن تتسع إلى الشأن الوطني.
فالحلو ينتمي إلى مدرسة تعتبر أن البناء لا يقتصر على الإسمنت والحجر، بل يبدأ بالإدارة الرشيدة، واحترام القانون، وترسيخ ثقافة المؤسسة. ومن ينجح في تشييد الجسور والطرقات والمشاريع، يستطيع أيضًا أن يساهم في بناء الثقة بين الدولة والمواطن.

وفي قطاع المقاولات، عرفه زملاؤه رجلًا ميدانيًا قبل أن يكون نقيبًا، وإداريًا قبل أن يكون مسؤولًا نقابيًا. خاض تجربته في أحد أكثر القطاعات تعقيدًا في لبنان، حيث تتشابك التشريعات مع الإدارة، والاقتصاد مع السياسة، والاستثمار مع القرار العام، فكوّن خبرةً جعلته يدرك أن التنمية الحقيقية لا تقوم إلا على مؤسسات قوية، وقرارات واضحة، ورؤية بعيدة المدى.
ومن خلال هذه التجربة الممتدة، راكم المهندس مارون الحلو معرفةً عميقة بآليات عمل الدولة، وإدارة المشاريع العامة، وتعقيدات تنفيذها، ما جعله من أبرز الأصوات المتخصصة في تشخيص أزمات قطاع الأشغال وتقديم مقاربات عملية لمعالجتها.
وعندما انتُخب نقيبًا للمقاولين، لم يحصر دوره في الدفاع عن مصالح المنتسبين إلى النقابة، بل عمل على ترسيخ حضورها كشريكٍ في النقاش الوطني حول البنى التحتية والاقتصاد والإدارة العامة. ومع اندلاع الأزمة المالية، كان من أوائل الذين نبّهوا إلى أن انهيار قطاع المقاولات لن يقتصر أثره على العاملين فيه، بل سيصيب الاقتصاد اللبناني بأسره، لما لهذا القطاع من دور محوري في تحريك الإنتاج وتأمين فرص العمل وارتباطه الوثيق بعشرات المهن والقطاعات.
ولم يكتفِ بتوصيف الأزمة، بل تقدّم إلى الإدارات الرسمية ومجلس الإنماء والإعمار واللجان النيابية بجملة من الاقتراحات لمعالجة عقود الأشغال التي أصابها الشلل نتيجة الانهيار النقدي، داعيًا إلى تحديث آليات التلزيم، وضمان استمرارية المشاريع، وصون حقوق الدولة والمقاولين معًا. وكان يعتبر أن الأشغال العامة ليست بندًا يمكن تأجيله، بل ركيزة أساسية لأي عملية نهوض اقتصادي.

ومع اشتداد الانهيار، واصل إطلاق مواقفه محذرًا من التداعيات الخطيرة لتوقف المشاريع، وتعثر المستحقات، وارتفاع كلفة مواد البناء، وإقفال المقالع والكسارات، وتعقيدات استيراد المواد الأولية، مؤكدًا أن أي خطة تعافٍ اقتصادي ستبقى منقوصة ما لم يُعَد تحريك قطاع الأشغال باعتباره أحد أسرع القطاعات قدرةً على تنشيط الاقتصاد واستقطاب الاستثمارات.

هذا النهج الهادئ، القائم على الواقعية والابتعاد عن الشعبوية، رسّخ مكانة مارون الحلو داخل الهيئات الاقتصادية اللبنانية. فلم يُنظر إليه بوصفه ممثلًا لنقابة فحسب، بل كشخصية ساهمت في الحفاظ على تماسك هذه الهيئات خلال أكثر المراحل الاقتصادية صعوبة. ومن هنا، جاء تكريمه من الهيئات الاقتصادية عقب انتخابه رئيسًا للمجلس التنفيذي للرابطة المارونية، حيث وصفه رئيسها محمد شقير بأنه يتمتع بصفات إنسانية ووطنية ومناقبية، مؤكدًا أن حضوره يضفي قيمةً على الموقع الذي يشغله، لا أن يستمد قيمته منه.

غير أن محطة الرابطة المارونية شكّلت منعطفًا وطنيًا في مسيرة مارون الحلو. فهذه المؤسسة، التي تأسست عام 1952، لم تكن يومًا إطارًا اجتماعيًا فحسب، بل نشأت لتكون مرجعية وطنية تُعنى بالدفاع عن لبنان الحر المستقل، وصون الدستور، وترسيخ الشراكة والعيش المشترك، وتعزيز مفهوم الدولة الحديثة. وقد أدّت عبر تاريخها أدوارًا مؤثرة في محطات مفصلية من تاريخ الجمهورية، لذلك رأى كثيرون في انتخاب الحلو رئيسًا لها فرصةً لإطلاق مرحلة جديدة تستند إلى الخبرة المؤسساتية والنهج الهادئ الذي ميّز مسيرته.

وجاء انتخابه عام 2025 بالتزكية، في مشهد عكس إجماع أعضاء المجلس التنفيذي وثقتهم به، كما عكس رغبة واضحة في فتح صفحة جديدة عنوانها الانفتاح، وتفعيل دور الرابطة، وتعزيز حضورها في الحياة الوطنية.

ومنذ توليه المسؤولية، بدا واضحًا أن الحلو يسعى إلى إعادة الرابطة إلى موقعها التاريخي، بوصفها مساحةً للحوار الوطني ومنبرًا للدفاع عن الدولة اللبنانية ومؤسساتها، ومواكبة التحولات الكبرى التي يشهدها لبنان، انطلاقًا من مقاربة دستورية وسيادية، بعيدًا عن الاصطفافات والانقسامات السياسية الضيقة.

وفي هذا الإطار، يولي أهمية خاصة للعلاقة التي تجمع الرابطة المارونية بالصرح البطريركي في بكركي، باعتبارها علاقة تعاون وتنسيق وتكامل في القضايا الوطنية الكبرى، تقوم على احترام الدور التاريخي للبطريركية المارونية، والتشاور في كل ما يتصل بحماية الكيان اللبناني، وتعزيز الحضور المسيحي، وترسيخ العيش المشترك، وصون ثوابت الدولة.

ومن يتابع مواقف الرئيس الحلو يلحظ ثباتًا في المبادئ التي ينطلق منها: دعم الدولة، واحترام الدستور، وتعزيز المؤسسات، وصون موقع رئاسة الجمهورية، وترسيخ دور الجيش اللبناني، والتشديد على أن مستقبل لبنان لا يمكن أن يُبنى خارج إطار الشرعية.

وفي أكثر من مناسبة، دعا إلى توفير الدعم لرئيس الجمهورية في مسار استعادة السيادة وإطلاق الإصلاحات، معتبرًا أن نجاح العهد لا يتحقق إلا بالتفاف اللبنانيين حول مشروع الدولة، لأن السيادة والإصلاح الاقتصادي والمالي ليست عناوين متفرقة، بل عناصر متكاملة في مشروع وطني واحد.

وفي مقاربته للشأن الوطني، برز دعمه لرئيس الجمهورية العماد جوزاف عون انطلاقًا من قناعة عبّر عنها في أكثر من مناسبة، مفادها أن إعادة انتظام مؤسسات الدولة تبدأ من احترام موقع رئاسة الجمهورية باعتباره المرجعية الدستورية الجامعة.

لذلك، دعا إلى منح العهد فرصة لتنفيذ خطاب القسم، واستكمال مسار الإصلاح، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطنين.

أما في القضايا السيادية، فجاءت مواقفه واضحة وثابتة، إذ شدّد على أن مصلحة اللبنانيين تقتضي التمسك بالدولة ومؤسساتها الشرعية، وأن حصرية السلاح بيد الدولة ليست مطلبًا سياسيًا لفريق دون آخر، بل قاعدة دستورية لا تستقيم الدولة من دونها.

كما أكد أن القرار الوطني يجب أن يبقى مستقلًا عن المحاور والصراعات الإقليمية، بعدما دفع لبنان أثمانًا باهظة نتيجة تحوّله، على مدى عقود، إلى ساحة لتصفية الحسابات الخارجية.

وفي مقاربته للشأن الوطني، لم يغفل الحلو البعد الروحي والثقافي الذي تمثله بكركي والرابطة المارونية.


فقد رأى في تطويب البطريرك إلياس الحويّك محطةً تتجاوز البعد الكنسي، لتجدد التذكير برسالة لبنان الكبير وبالدور التاريخي الذي اضطلعت به بكركي في الدفاع عن الكيان اللبناني، داعيًا إلى استلهام تلك المبادئ في مواجهة تحديات الحاضر.

وربما تكمن خصوصية مارون الحلو في ابتعاده عن الخطابات المرتفعة النبرة، وحرصه على تقديم المؤسسة على الشخص.

فهو ينتمي إلى مدرسة تؤمن بأن المؤسسات هي التي تبقى، وأن المسؤول يُقاس بما يرسخه من عمل وإنجاز داخل المؤسسة التي يقودها، لا بما يمنحه المنصب من حضور أو نفوذ.

لذلك، ارتبط اسمه بالهدوء، والاتزان، والحوار، والقدرة على بناء مساحات مشتركة بين المختلفين.

ولعل هذا النهج هو ما رسّخ حضوره في الأوساط الاقتصادية والوطنية ، حيث عُرف بلغة الشراكة بدل المواجهة، وبالمقاربات العملية المستندة إلى الخبرة أكثر من الشعارات.

وفي مرحلة تراجعت فيها الثقة بالمؤسسات العامة، شكّل مساره المهني والنقابي والوطني رصيدًا عزّز صورته كأحد الوجوه التي راهنت على العمل المؤسساتي بوصفه الطريق الأكثر ثباتًا لبناء الدولة.

إن مارون الحلو، في نهاية المطاف، لا يجسّد مجرد انتقال من رئاسة نقابة إلى رئاسة الرابطة المارونية، بل يختصر مسيرة رجلٍ انتقل من إدارة قطاعٍ حيوي إلى الإسهام في مقاربة الشأن الوطني برؤيةٍ مؤسساتية ثابتة.

وهي مسيرة قامت على قناعة راسخة بأن الاقتصاد والسيادة وجهان لدولة واحدة، وأن التنمية لا تستقيم من دون الاستقرار، كما أن الاستقرار لا يكتمل من دون مؤسسات قوية تحكمها القوانين لا موازين القوى.

وفي زمنٍ تتبدّل فيه المواقف وتطغى الحسابات الآنية، حافظ الحلو على نهجٍ يقوم على العمل الهادئ، والالتزام بالمؤسسة، والإيمان بأن بناء الدولة هو مشروعٌ تراكمي لا يتحقق بالشعارات، بل بالمثابرة والمسؤولية واحترام الدستور.

لذلك، تبدو تجربته اليوم أكثر من مجرد سيرةٍ مهنية أو نقابية؛ إنها شهادة على أن العمل العام يمكن أن يُمارَس بعيدًا عن الضجيج، وأن المسؤولية ليست وسيلةً للوجاهة، بل التزامٌ دائم بخدمة الوطن.

وفي هذا المعنى، يترك الرئيس مارون الحلو بصمته كرجلٍ اختار أن يبني المؤسسات قبل أن يبني حضوره الشخصي، مؤمنًا بأن الأوطان التي تصمد هي تلك التي تُحسن الاستثمار في الدولة، وتثق بالمؤسسات، وتضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.


