
في العام 1994، ورغم أن “القوات اللبنانية” سلّمت سلاحها وانصرفت إلى العمل السياسي، سخّرت الدولة اللبنانية، بإدارة النظام الأسدي السوري، كل جهودها لحلّ “القوات”، وزجّ رئيسها في السجن، واضطهاد محازبيها وأنصارها. ودبّرت لها مؤامرة عبر تفجير كنيسة سيدة النجاة، وأقنعت اللبنانيين، بأن “القوات” فجّرت الكنيسة وتعاملت مع «الشيطان»، بل صوّرتها على أنها مصدر كل الشرور في لبنان. علماً أن ذنب “القوات” الوحيد كان رفضها الوصاية السورية، وتمسّكها بموقفها الرافض لانقلاب النظام الأسدي وحليفته الدولة اللبنانية على اتفاق الطائف!
أما “حزب الله”، الذي كان متعاوناً مع النظام الأسدي السوري ضد مصلحة لبنان، ويتلقّى توجيهاته من النظام الإيراني، فكان يُشكّل الخطر الأكبر، متستّراً بعباءة مقاومة إسرائيل. ورغم ذلك، احتضنته الدولة حتى أصبح، مع مرور الوقت، أقوى منها، بل أنشأ دويلة مكتملة الأوصاف، بسلاحها وأموالها ومجتمعها. وكان لدى الدولة اللبنانية ألف سبب وسبب لتفعل بـ”الحزب” ما فعلته بـ”القوات”، إلا أنها تركت هذا “المسخ” الإيراني ينمو ويزداد قوة، حتى بات يرتكب الاغتيالات والجرائم، ويصادر قرار السلم والحرب، ويورّط لبنان في حروب جرّت عليه الويلات، ولا يزال!
ولو فعلت الدولة مع “الحزب” نصف ما فعلته بـ”القوات”، لكنّا صفّقنا لها. لكن هذا “الحزب”، الذي يتوسّل شتّى وسائل الإرهاب، لا يجرؤ أحد من أركان الدولة حتى على القول له: “يا محلّى الكحل بعينك”! وهذا الوضع مثير للسخرية والقرف.
ما حصل مع “القوات” كان ظلماً وافتراءً وانتقاماً من حزب وطني مسيحي كان بالفعل مقاومةً ضد الاحتلالين الفلسطيني والسوري. أما “الحزب”، فهو الظالم والمفتري الذي يمارس الفجور بحقّ الدولة والشعب اللبناني، ويستحقّ الحلّ ومحاسبة مسؤوليه، بل سوق المتورّطين منهم إلى السجون، على ما ارتكبوه بحقّ لبنان، من خلال ولائهم الواضح للنظام الإيراني!
هذا الوضع الشاذ، المستمر منذ تسعينيات القرن الماضي حتى اليوم، بات مصدراً ليأس اللبنانيين وهجرتهم وقلقهم على مستقبل أبنائهم. ولدى الدولة ألف سبب وسبب للمبادرة إلى محاسبة “الحزب”، ولا سيما على خلفية قضية المتفجّرات الأخيرة، التي تُثار شبهات بشأن نيّته استخدامها في الداخل اللبناني. ولن تنفعه كل تبريراته في غسل خطاياه!
ماذا تنتظر الدولة اللبنانية، المذعورة من تهديدات “الحزب” بإشعال حرب أهلية؟ فالسلم الأهلي لن يستقيم ما دام سلاح “الحزب” قائماً خارج سلطة الدولة، لأن اللبنانيين لن يقبلوا باستمرار هذا الواقع، بعدما ضاقوا ذرعاً بتصرّفات “الحزب” ومشروعه الظلامي.
وإذا بقيت الدولة تتقاعس عن نزع سلاح هذا الحزب، فقد نشهد ضوءاً أخضر أميركياً لإسرائيل كي تحسم مسألة سلاحه، أو قد تتصاعد الدعوات الداخلية إلى عصيان مدني سلمي لإلزام الدولة بالتحرّك الجدّي ضد الميليشيا الإيرانية التي تتربّص الشرّ بلبنان!


