لم يعد من الممكن النظر إلى التحولات التي تشهدها أوروبا بمعزل عن تجربة الربيع العربي ، لا لأن التجربتين متطابقتان ، وهل تنبع التحولات الداخلية من أزمات تعيشها الشعوب ، أم يمكن للقوى الخارجية أن تستغل هذه الأزمات لتغيير اتجاهات الدول وموازين القوى فيها؟
انطلق الربيع العربي بشعارات الحرية والكرامة ومكافحة الفساد ، وهي مطالب مشروعة عبّرت عن معاناة حقيقية لدى قطاعات واسعة من الشعوب . لكن ما بدأ حراكاً شعبياً سرعان ما أصبح ساحة لتدخلات إقليمية ودولية ، تداخلت فيها مصالح الدول الكبرى مع طموحات القوى المحلية ، حتى بات من الصعب الفصل بين المطالب الشعبية المشروعة وبين توظيفها في صراعات النفوذ .
وهنا تبرز مسؤولية الولايات المتحدة ، التي لم تتعامل مع هذه التحولات انطلاقاً من مبادئ الديمقراطية وحق الشعوب في تقرير مصيرها ، بل وفقاً لما تقتضيه مصالحها الاستراتيجية . فقد دعمت مسارات سياسية حين خدمتها ، وتخلت عن أخرى عندما أصبحت نتائجها غير ملائمة ، فيما دفعت دول عربية أثماناً باهظة من استقرارها ووحدتها ومؤسساتها . وبذلك ، لم يكن الربيع العربي مجرد حركة تغيير داخلية ، بل أصبح فرصة للقوى الخارجية ، وفي مقدمتها الولايات المتحدة ، للتأثير في مستقبل المنطقة وإعادة تشكيل موازينها
واليوم ، تفرض التحولات التي تشهدها أوروبا تساؤلاً مختلفاً ، وإن كان متصلاً بالتجربة العربية . فالاحتجاجات والاضطرابات هناك ترتبط أساساً بارتفاع تكاليف المعيشة ، وتراجع القدرة الشرائية ، والاعتراض على السياسات الاقتصادية والاجتماعية ، إلى جانب مطالب أخرى تتعلق بالهجرة والاندماج . وهذه المشكلات لا تعني أن أوروبا تفتقر إلى الحرية ، بل تعكس خلافات داخل المجتمعات الديمقراطية حول كيفية إدارة الأزمات .
ومن الطبيعي أن تحتج الشعوب الأوروبية على سياسات حكوماتها ، وأن تطالب بتغييرها . ومدى قدرة القوى الخارجية على استثمار الأزمات الداخلية وتوجيهها لخدمة أهدافها . فليس كل اضطراب مؤامرة خارجية ، كما أن وجود أسباب داخلية حقيقية لا يمنع استغلالها سياسياً من الخارج .
لكن ، لا يمكن الجزم بأن ما تشهده أوروبا هو ربيع بالمعنى الذي عرفه العالم العربي ، ولا أن كل دولة تعارض الولايات المتحدة ستواجه اضطرابات داخلية تُفضي إلى تغيير نظامها أو سياساتها . لكن التجربة العربية تدعونا إلى الحذر من الاعتقاد بأن القوى الكبرى تتحرك دائماً دفاعاً عن الديمقراطية .
المعيار الحقيقي ليس ما إذا كانت الدولة تؤيد الولايات المتحدة أو تعارضها ، بل ما إذا كانت سياساتها تتعارض مع المصالح الأميركية ، ومدى استعداد واشنطن لاستخدام أدوات الضغط والتأثير لتعديل هذه السياسات .
وقد تكون هذه الأدوات اقتصادية أو سياسية ، وقد تصل إلى دعم أطراف داخلية أو استثمار أزمات قائمة ، بحسب الظروف وموازين القوى . لكن إثبات وجود تدخل يحتاج إلى أدلة ، لا إلى مجرد تشابه الأحداث .
لقد أظهرت تجربة الربيع العربي أن الولايات المتحدة لم تكن مجرد مراقب للتحولات، بل كانت طرفاً فاعلاً في التعامل معها ، وأن خطاب دعم الديمقراطية لم يمنعها من توظيف الأحداث بما يخدم مصالحها . وهذه خلاصة تستحق أن تبقى حاضرة عند قراءة ما يجري اليوم ، من دون إسقاط التجربة العربية بكل تفاصيلها على أوروبا .
في النهاية ، لا يكفي أن نسأل ما إذا كانت دولة تعارض الولايات المتحدة ستتعرض إلى ربيع ، بل ينبغي أن نسأل من يستفيد من أزماتها ، ومن يملك القدرة على التأثير في مسارها ، وما الثمن الذي قد تدفعه شعوبها إذا تحولت مطالبها الداخلية إلى أدوات في صراع دولي .
فالربيع قد يبدأ من مطالب شعبية حقيقية ، لكن القوى الخارجية قد تسعى إلى تحديد مساره ونهايته . وفي التجربة العربية ، لم تكن الولايات المتحدة بعيدة عن هذا المسار فقد تعاملت مع التغيير وفق مصالحها ، لا وفقاً لما وعدت به الشعوب من حرية وديمقراطية .


