
ليست الأرض حفنة تراب نبيعها عندما تضيق بنا الحياة، بل هي جذورنا وذاكرة أجدادنا، وبيوتٌ ما زالت جدرانها تحفظ أصوات من رحلوا، ودروبٌ مشيناها صغارًا ممسكين بأيدي آبائنا.
هي المكان الذي ترك لنا فيه أجدادنا شيئًا من أعمارهم، لنترك نحن بدورنا لأولادنا أرضًا يعودون إليها مهما أبعدتهم الحياة، وبيتًا يعرفون أن لهم فيه بابًا لا يُغلق، وجذورًا لا تقتلعها الأيام.
إن بيع الأراضي في القرى والبلدات ذات الحضور المسيحي التاريخي، في المناطق الحدودية وغيرها، لم يعد مسألة يجوز السكوت عنها أو التعامل معها باستخفاف. وكان آخر ما أُثير في هذا السياق الجدل الذي رافق الحديث عن شراء رجل الأعمال والمهندس رضا جفّال عقارات في المتن الشمالي، ولا سيما في بعبدات، وما تبعه من ردود فعل إعلامية وقانونية خلال تشرين الأول 2026، من دون أن يعني نقل هذه الوقائع تبنّي أي اتهام أو إصدار حكم على أحد.
فحين تتبدّل ملكية الأراضي، وتتراجع قدرة أبناء القرى على البقاء في أرض آبائهم وأجدادهم، يصبحكفى خطابات عن الصمود فيما الشباب يهاجرون، والعائلات ترحل، والبيوت تُقفل أبوابها واحدًا تلو الآخر. فالصمود ليس شعارًا نرفعه، بل حياة كريمة نؤمّنها لمن نطالبهم بالبقاء.
نريد من الدولة والبلديات والمرجعيات المعنية خطوات فعلية تحمي الناس من الاستغلال، وتوفّر لهم فرص العمل ومقوّمات العيش الكريم، وتصون حق جميع اللبنانيين في التملّك والعيش بأمان، من دون تمييز.
حماية الأرض ليست عداءً لأحد، بل دفاع عن حق الإنسان في ألّا يُجبره الفقر على التخلّي عن المكان الذي يحمل اسمه وذكرياته.
لا نريد أن نورّث أولادنا صورًا لبيوت أجدادهم، ومفاتيح لأبواب لم تعد تُفتح، وحكايات تبدأ بعبارة موجعة: «كان لنا هنا بيت… وكانت لنا هنا أرض».
ليس كل بيع للأرض مشروعًا لتغيير ديموغرافي، لكن أي استغلال منظّم لحاجة الناس بهدف تغيير هوية المناطق يستوجب التصدي له بالقانون والوقائع.
وإلى كل من يفكّر في بيع أرض ورثها عن آبائه وأجداده، نقول: تمهّلوا، فالمال قد ينفد، أما الأرض التي تخرج من أيديكم فقد لا تعود، وقد يأتي يوم يسألكم فيه أولادكم لماذا لم تتركوا لهم شيئًا من جذورهم. لكن كيف نطلب من إنسان أن يتمسّك بأرضه، ونحن نتركه وحيدًا يصارع الفقر والديون، وربما عاجزًا عن تأمين رغيف الخبز لأولاده؟
وإلى القيادات المسيحية، السياسية والروحية، أسأل: أين أنتم من هذا الوجع؟ أين مشاريعكم لحماية الأرض وأهلها؟ وأين مؤسساتكم ومبادراتكم؟
وإلى رجال الدين الذين ينعمون بالراحة والإمكانات المادية، فيما أبناء رعاياهم يبيعون أرض آبائهم وأجدادهم تحت وطأة الحاجة: ألا تستحق هذه العائلات أن تجد في الكنيسة يدًا تسندها قبل أن تضطر إلى بيع آخر ما تملك؟
وأما السياسيون، فهل باتت القرى لا تستحق اهتمامكم إلا عندما تحتاجون إلى أصوات أبنائها؟
كفى خطابات عن الصمود فيما الشباب يهاجرون، والعائلات ترحل، والبيوت تُقفل أبوابها واحدًا تلو الآخر. فالصمود ليس شعارًا نرفعه، بل حياة كريمة نؤمّنها لمن نطالبهم بالبقاء.
نريد من الدولة والبلديات والمرجعيات المعنية خطوات فعلية تحمي الناس من الاستغلال، وتوفّر لهم فرص العمل ومقوّمات العيش الكريم، وتصون حق جميع اللبنانيين في التملّك والعيش بأمان، من دون تمييز.
حماية الأرض ليست عداءً لأحد، بل دفاع عن حق الإنسان في ألّا يُجبره الفقر على التخلّي عن المكان الذي يحمل اسمه وذكرياته.
لا نريد أن نورّث أولادنا صورًا لبيوت أجدادهم، ومفاتيح لأبواب لم تعد تُفتح، وحكايات تبدأ بعبارة موجعة: «كان لنا هنا بيت… وكانت لنا هنا أرض».
وإلى كل مسؤول يتغنّى بالأرض والهوية، أسأل: ماذا ينفع أن تدافعوا عن وجودنا في خطاباتكم، إذا كنتم تتركون أسباب بقائنا تنهار أمام أعينكم؟


