أخي المؤمن،
نسأل كثيرا: لماذا يبتعد شبابنا وشيوخنا عن الكنيسة؟ ولماذا يتحول الحماس إلى فتور، والحضور إلى غياب بالقلب حتى لو بقي الجسد في الصف؟
الجواب السهل يقول: ضعف إيمان، إغراءات العالم، كسل روحي. لكن إن صدقنا مع أنفسنا، سنجد أن جزءا كبيرا من الجواب يسكن داخل البيت نفسه.
1. عندما يصبح البيت بلا صوت
الإنسان لا يحتمل أن يعيش طويلا في مكان يشعر فيه أنه غير مرئي.
عندما يحكى عن الجماعة والشعب المقدس ثم تطبخ القرارات في غرف مغلقة، يولد عند المؤمن سؤال مر: أين أنا من كل هذا؟ الصوت الذي لا يسمع مرة واثنتين، يتوقف عن الكلام. وبعدها يتوقف القلب عن الانتماء.
2. عندما يعامل السؤال كخيانة
الإيمان المسيحي ولد من الحوار. مجمع أورشليم لم يكن أمرا نازلا من السماء جاهزا، بل نقاشا، جدالا، استماعا للروح وللأخوة. لكن عندما يصبح السؤال تطاولا، والنقد تذمرا، والرأي الآخر “روح انشقاق”، نخسر أكثر مما نحفظ. نحفظ الشكل ونخسر الحياة. لأن الإيمان الذي لا يسأل، يموت إلى عقيدة ميتة.
3. عندما تتحول الخدمة إلى تسلط
قال المسيح: من أراد أن يكون فيكم أولا فليكن للجميع خادما. لكن في لحظة ضعف بشري، تتحول الخدمة إلى إدارة، والإدارة إلى سلطة، والسلطة إلى أوامر. حينها يشعر الإنسان أنه أمام رئيس لا أمام راع. ويبدأ الانفصال الداخلي: أحضر لأرضي ضميري، لكني لا أعود لأبني معكم.
4. جراح صغيرة تقتل ببطء
ليست القرارات الكبرى وحدها ما يطرد الناس. كلمة تهميش في اجتماع، تجاهل لموهبة، معاملة بمكيالين، تفضيل القريب على الكفء، السكوت على الظلم حفاظا على الصورة. هذه الجراح الصغيرة لا تظهر في التقارير، لكنها تكسر الثقة. والثقة إذا كسرت، لا يرممها خطاب جميل.
ماذا نخسر حقا؟
نخسر أشخاصا لم يتوقفوا عن محبة المسيح، لكنهم توقفوا عن الشعور أنهم جزء من جسده. نخسر طاقات كان يمكن أن تبني، أصواتا كان يمكن أن تشفي، شبابا كان يمكن أن يبقوا لو وجدوا أذنا تسمع قبل يد تأمر. والأخطر: نبقى نحن ونقول الناس تغيرت، وننسى أن ننظر في المرآة.
فما الحل؟
الحل ليس في شعارات ولا في حملات استقطاب. الحل في العودة للأصل: كنيسة شركة، لا تسلط. شركة تعني أنني مسؤول وأنت مسؤول، أنني أسمعك كما تريد أن تسمعني، أن القرار ليس ملكا لأحد بل نضجا جماعيا أمام الله.
كنيسة تسمع قبل أن تتكلم.
الخوف من السؤال هو خوف من الحقيقة. والروح القدس لا يخاف من الأسئلة، بل يعمل فيها. كنيسة تفرق بين الطاعة والتبعية. الطاعة المسيحية هي طاعة للمحبة والحقيقة، لا طاعة لشخص أو لمزاج. والمؤمن الناضج لا يطلب منه أن يلغي عقله، بل أن يستخدمه في خدمة الجماعة.
خاتمة
الكنيسة ليست مبنى، وليست إدارة، وليست لائحة قوانين.
الكنيسة هي نحن. أنا وأنت والأخ الذي جلس بجانبك الأحد الماضي ولم يعد. إن كنا نحب بيتنا، فلن نسمح للخوف أن يبنيه، ولن نسمح للصمت أن يهدمه. فلنعد لنقرع معا، لا على الباب فقط، بل على قلوب بعضنا، باحترام ومحبة. لأن البيت الذي لا يسمع أبناءه، سيجد نفسه يوما بلا أبناء.


