سألني أحدُ المطّلعينَ سؤالًا يخافُ أن يسألَه كلُّ من خرجَ: “لو اختاروكَ أسقفًا، هل كنتَ ستكتبُ ما تكتبُه؟”
وهو سؤالٌ يجبُ أن أسألَه لنفسي كلَّ يومٍ أمامَ مرآةٍ، لا أمامَ الناسِ.
سأجيبُ بصدقٍ موجعٍ، لا ببلاغةٍ دفاعيةٍ: لا أعرفُ. وربما لا. الإنسانُ ضعيفٌ.
لكن اسمحوا لي أن أصحّحَ السؤالَ، لأنَّ ما حدثَ لم يكنْ فرضيةً. في إحدى اللوائحِ، قدَّمَ أحدُ الأساقفةِ – أذكرُ له هذا الفضلَ أمامَ اللهِ – اسمي بينَ من يستحقونَ الأسقفيةَ.
كانَ يرى فيَّ أبًا وكاهنًا مجتهدًا، مقدامًا، خدومًا.
وكانَ الجوابُ الذي جاءَ من مكانِ القرارِ، ليسَ تقريرًا، ولا ملاحظةً رعويةً، ولا حتى اتهامًا. كانَ جملةً واحدةً قيلتْ علنًا، وكانتْ كفيلةً بشطب اسمي : “انتبهوا، أصلُه مارونيٌّ“.
انتهى الأمر. لا حاجةَ لمناقشةِ سيرتي، ولا خدمتي، ولا شهاداتي. الأصلُ يكفي. فهمتُ يومَها أنَّ المشكلةَ ليستْ في شخصي. لو كنتُ غيرَ كفءٍ لقالوا غيرُ كفءٍ، ولكنتُ قبلتُ. لكن أن يُقالَ “أصلُه مارونيٌّ” كأنَّه عيبٌ خِلقيٌّ، كأنَّه دمٌ غيرُ نقيٍّ، فهذا هو التمييزُ الذي أتكلّمُ عنه منذُ سنةٍ.
وهنا أعودُ إلى سؤالِكم: هل كنتُ سأكتبُ؟ لو وضعوا التاجَ على رأسي، ربما كنتُ سأقنعُ نفسي أنَّ النظامَ ليسَ سيئًا إلى هذه الدرجةِ. ربما كنتُ سأقولُ: سأصلحُ من الداخلِ. والإصلاحُ من الداخلِ هي الجملةُ التي قتلتْ ضمائرَ كثيرينَ قبلي. يبقى الأسقفُ في قصرِه، ويظنُّ أنَّه يصلحُ، بينما هو في الحقيقةِ يحرسُ القصرَ.
لذلكَ، نعم، في نقدي يوجدُ جرحٌ شخصيٌّ. يوجدُ خيبةٌ. يوجدُ “لو”. وأنا لا أنكرُ ذلكَ أمامَ اللهِ. أنا لستُ نبيًا منزَّهًا عن الجرحِ. أنا إنسانٌ مجروحٌ يتكلمُ من جرحِه. لكن هل الجرحُ يبطلُ الحقيقةَ؟
المريضُ الذي يصرخُ هناكَ مرضٌ في المستشفى، هل يصبحُ كاذبًا لأنَّه مريضٌ. بل يصبحُ صادقًا لأنَّه اكتوى به. لو كنتُ أسقفًا، ربما كنتُ سأصمتُ. وهذا بالضبطِ ما يثبتُ أنَّ المشكلةَ موجودةٌ. لأنَّ النظامَ مصممٌ ليجعلَ الصادقَ إمّا أسقفًا فيصمتُ، أو مطرودًا فيتكلمُ. والآنَ، كيفَ كنتُ سأتصرفُ لو كنتُ أنا الأسقفَ، وجاءَني كاهنٌ أصلُه مارونيٌّ؟
أمامَ المسيحِ الذي هو إلهي وحياتي، أقولُ: لو كنتُ في ذلكَ الكرسيِّ، ووقفَ أمامي كاهنٌ مارونيُّ الأصلِ، مجتهدٌ، نقيٌّ، وقالَ لي: “سيدنا، أشعرُ أنَّكم لا ترونَني ابنًا أصيلًا بل ضيفًا”، لما كنتُ سأستدعي القانونَ الرهبانيَّ لأدينَه. ك
نتُ سأنهضُ عن الكرسيِّ، وأجلسُ بجانبِه، وأقولُ له: “سامحْنا. أنتَ لستَ ضيفًا، أنتَ أخي. ودمُك هو دمي، لأنَّ دمَ المسيحِ واحدٌ.” كنتُ سأقولُ له: ابقَ. لا تخرجْ من الحفرةِ غاضبًا. ابقَ لنحفرَ معًا نافذةً في هذه الحفرةِ ليدخلَ النورُ.
هل كنتُ سأفعلُ ذلكَ فعلاً؟ أتمنى أن يقوّيَني المسيحُ لأفعلَ. لأنَّه لو لم أفعلْ، سأكونُ أنا أيضًا واحدًا من أولئكَ الذينَ شوّهوا صورةَ المسيحِ والكنيسةِ معًا، الذينَ بكيتُ منهم.
في النهايةِ، أنا لا أدافعُ عن نفسي. أنا أدينُ نفسي قبلَ أن أدينَهم. نعم، أنا مجروحٌ، ونعم، ربما لو أكرموني لسكتُّ.
لكنَّ الحقيقةَ التي قلتُها – أنَّ هناكَ تمييزًا يقولُ انتبهوا أصلُه مارونيٌّ، وأنَّ هناكَ حفرةً ذهبيةً، وأنَّالمسيحَ أكبرُ من المؤسسةِ – هذه الحقيقةُ تبقى حقيقةً، سواءٌ قالَها أسقفٌ أو قالَها كاهنٌ أُبعدَ عن المذبحِ وبقيَ مذبوحًا معَ الحملِ الفصحيِّ.
المسيحُ باقٍ. أنا ذاهبٌ. والمؤسسةُ ذاهبةٌ. فليبقَ الحقُّ.


