تتجه دولة اسرائيل بقوة نحو إحكام اليمين قبضته عليها سواء بوجهه الديني أو بوجهه الديني الليبرالي. والعنوان المشترك أن اسرائيل هي دولة يهودية خالصة نجح رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو أن يستدرج حتى خصومه إلى أن يكون العنوان الأساسي للانتخابات الاسرائيلية هو “الاستراتيجية الأمنية” واعتبار ايران تمثّل “التهديد الوجودي” لدولة اسرائيل وأن “الانتخابات” هي في مثابة “استفتاء على شخصه”.
إنما العنصر الأبرز في هذه الانتخابات هو “الكتلة النيابية العربية” التي أفرزتها والتي هي عنصر حاسم في تقرير من يكون رئيسا للحكومة الاسرائيلية. باعتبار أن بنيامين نتنياهو لا يحوز على الأغلبية التي تعتبره رئيسا للحكومة الجديدة وإنما تبقيه رئيسا للحكومة الانتقالية لفترة غير قصيرة. كما أن غادي آيزنكوت وفريق المعارضة يحتاج في رئاسة الحكومة إلى أن يتراجع مع فريقه عن الاعتراض على التعاون مع الكتلة النيابية الفلسطينية استنادا إلى برنامجه الانتخابي وأن يقر ويعترف بالمواطنة العربية في دولة اسرائيل. وهذا أمر يحتاج إلى وقت وإلى “مرونة” من المعارضة والفلسطينيين في آن معا تجنّبا لاعادة الانتخابات التي تشير المعلومات بأنها تعيد نتنياهو بعدد أكبر من النواب.
ومع ذلك يبقى في الصورة احتمال حكومة مشتركة بين نتنياهو والمعارضة مع تداول على رئاسة الحكومة مع وضع اليسار والنواب الفلسطينيين خارجا. إنما في كل الأحوال التوافق بين اليمين المتطرف واليمين الليبرالي هو رفض إقامة الدولة الفلسطينية وما يستتبعه ذلك من تشدد اسرائيلي في غزة وفي جنوب سوريا والجنوب اللبناني ومزيد من إقامة المستوطنات في الضفة الغربية وسياسات تهجير تحديدا نحو الأردن وسيناء. وهذا الأمر يقع في صلب سياسات نتنياهو الذي يعتبر أن الأردن هو جزء من دولة اسرائيل في كتابه “مكان تحت الشمس”.
واضح أن لا فارق بين سياسات نتنياهو وآيزنكوت في الموضوع اللبناني. فالاثنان مع “الحل العسكري” والبقاء في الجنوب اللبناني حيث يبقى الرهان الرسمي اللبناني على مدى استجابة الحكومة الاسرائيلية للضغوط الأميركية سيّما وأن واشنطن كانت قد وُعدت بمرحلة ما بعد الانتخابات على “مخارج معيّنة” كان قد وعد بها نتنياهو الرئيس الأميركي دونالد ترامب. ما هي هذه “المخارج”؟ هذا هو السؤال. وعلى حساب من؟ وماذا عن “التلويح الأميركي” بفرض عقوبات على شخصيات ومرجعيات سياسية لبنانية وبأي هدف؟
وواقع الأمر هناك أخطار وجودية تحيط بالوطن الصغير لبنان. فوفقا لمعلومات ديبلوماسية غربية أن اسرائيل ستقيم اقليم الجنوب في سوريا وصولا لدمشق وجبل الشيخ مع قسم من درعا. ويوازي ذلك اقليم تركيا ويصل بين أدلب وحلب. واقليم كردي. إضافة إلى اقليم مسيحي-علوي باشراف روسي.
وتستنتج هذه المعلومات الديبلوماسية الغربية أن هناك مخاوف من اقتطاع قسم من الشمال اللبناني بما فيه مطار القليعات ومرفأ طرابلس لصالح “الدولة السورية” كتعويض عن الخسارات. وتنوّه هذه “المصادر” إلى ضرورة تَنبّه السلطة اللبنانية لهذا الأمر إذ أن هناك تسرّبا كبيرا عبر الحدود يتم لمجموعات دينية متطرفة تشبه داعش وتنظيم الدولة الاسلامية. وبهذا المعنى قد تكون الزيارة التي قام بها الرئيس اللبناني العماد جوزاف عون تندرج في سياق الحرص على وحدة لبنان واتفاق الطائف.
الظروف المحيطة بلبنان تستدعي حوارا ومكاشفة وتغليب مفهوم وحدة لبنان على أي اعتبار آخر. والسبيل إلى ذلك تفكيك عناصر الخلاف السياسي والدفع باتجاه ما يجمع بين اللبنانيين لا ما يفرّق. فلبنان مهدد في شماله وجنوبه. وفي هذه الحال ماذا يبقى منه ومن المستفيد.
عبد الهادي محفوظ


