
منذُ أكثرَ من عشرينَ سنةً وأنا أرتادُ يوميًا عندَ الصباحِ الباكرِ حرشَ بيروتَ.كانَ الحرشُ يمتلئُ زقزقةً وأنغامًا شجيّةً. كانَ الحسونُ والدوريُّ والشحرورُ والترغلُ وغيرُها من العصافيرِ والطيورِ تعيشُ معَ بعضِها بعضًا بتناغمٍ وألفةٍ. تأكلُ من خيراتِ الحرسِ وتشربُ من محطاتِ مياهٍ معدّةٍ لها. لوحةٌ من التنوعِ خلقَها اللهُ فأتقنَها.
فجأةً، دخلَ عصفورٌ غريبٌ من أفريقيا، ، اسمه الوقواق – Coucou / Cuckoo وهو أخبثهم، كما قيلَ لي.


عصفورٌ لا يطيقُ أيَّ اختلاطٍ معَ الآخرينَ من فصيلةِ العصافيرِ. لا يغرّدُ، بل ينقضُّ. فإذا به ينكّلُ بالأعشاشِ، ويأكلُ بيضَ بقيّةِ الطيورِ، ويهاجمُ صغارَها، ويلاحقُ كبارَها.
هربتْ جميعُها. لأنها طيورٌ مسالمةٌ ولا تحبُّ القتالَ ولا الاستقواءَ على الغيرِ.
غدا الحرشُ اليومَ حزينًا. لا زقزقةَ، ولا نكهةَ، ولا تنوعَ، ولا منظرَ خلابَ، بل طيرٌ واحدٌ لا لونَ له ولا زقزقةَ ينتقلُ وحيدًا من مكانٍ إلى آخرَ.
للأسفِ، رأيتُ في هذا المشهدِ صورةَ لبنانَ المصغّرةَ.
حيثُ كانتْ كلُّ الجماعاتِ اللبنانيةِ تعيشُ معَ بعضِها بعضًا، مختلفةً متآلفةً، تأكلُ من خيرِ أرضٍ واحدةٍ وتشربُ من ماءٍ واحدٍ.
واليومَ، تشعرُ أنَّ لونًا واحدًا يسيطرُ على البقيّةِ. وللأسفِ، هذا اللونُ بدأَ بمحاربةِ جنسِه، ولا يجدُ تناغمًا معَ أحدٍ.
في الحرشِ، لم يعدْ هناكَ تغريدٌ، بل سيطرةٌ.
وفي الوطنِ، لم يعدْ هناكَ حوارٌ، بل استقواءٌ.
الطيورُ المسالمةُ هاجرتْ من حرشِ بيروتَ، كما هاجرَ شبابُ لبنانَ من وطنِه. ليسَ لأنهم لا يحبونَ أرضَهم، بل لأنهم لا يريدونَ أن يعيشوا في عشٍّ مهددٍ كلَّ صباحٍ.
إنَّ التنوعَ ليسَ ترفًا. التنوعُ هو الضمانةُ الوحيدةُ لبقاءِ الحرشِ، وبقاءِ الوطنِ.
وحينَ يعتقدُ طائرٌ واحدٌ أنَّه يستطيعُ أن يملأَ الحرشَ وحدَه، فاعلمْ أنَّ الحرشَ سيموتُ، وسيبقى الطائرُ وحيدًا، بلا تغريدٍ، بلا شريكٍ، بلا حياةٍ.


