
في لبنان، لم يعد السؤال مَن يحكم فحسب، بل مَن يملك المال، ومَن يشتري القرار، ومَن يحمي مصالح مَن؟
حين يتحالف المال مع السلطة على حساب القانون، تتحول المناصب إلى أدوات نفوذ، وتصبح مؤسسات الدولة رهينة المصالح، وتضيع حقوق الناس بين الصفقات والتسويات. وعندما يصل هذا التحالف إلى الجهات الرقابية، تصبح المحاسبة انتقائية، ويغدو تطبيق القانون خاضعًا لحسابات الحماية والولاء.
عندها، يدفع المواطن من عمره وصحته وكرامته ثمن فساد لم يرتكبه، وانهيار لم يكن شريكًا في صناعته. يعدّ ما بقي في جيبه أمام صيدلية، ثم يعود إلى وجعه بلا دواء. يخفض عينيه أمام ابنه، لأن وعدًا صغيرًا صار أكبر من قدرته، ويرى جنى عمره محتجزًا، فيما حاجته إليه تذلّه كل يوم.
وعلى الضفة الأخرى، ينام أصحاب الحظوة مطمئنين إلى ثرواتهم وحماتهم، فلا خسارة تطالهم ولا محاسبة توقظهم. وأقسى الظلم أن يقف المنهوب مكسورًا يشرح حاجته إلى حقّه، فيما يمضي مَن نهبه مرفوع الرأس.
لكن الأخطر أن يصبح هذا الظلم مألوفًا، وأن يُنهك الناس حتى يفقدوا إيمانهم بجدوى الاعتراض، وأن يتحول الإفلات من العقاب إلى امتياز يتوارثه النافذون. أما صمت المسؤولين القادرين على كشف الفساد وملاحقته، فيحمي مرتكبيه ويترك الضحايا وحدهم في مواجهة نتائجه.
إلى كل مَن يعتقد أن المال يمنحه حصانة، وأن السلطة تحميه من المحاسبة، نقول: لا أحد أكبر من الدولة، ولا أحد فوق القانون.
لكن هذه الكلمات تفقد معناها حين تُقال من المنابر وتُعطَّل عند أبواب المحاكم. قيمتها في قضاء مستقل يلاحق، ورقابة تكشف، ومساءلة لا تتوقف عند اسم أو موقع أو رصيد.
لبنان يحتاج إلى رجال دولة يدركون أن المنصب مسؤولية تجاه الناس، وأن أول شروطها الخضوع للقانون قبل مطالبة الآخرين باحترامه. يحتاج إلى مَن يملك شجاعة محاسبة المحظيّ قبل الضعيف، واسترداد الحقّ مهما كانت كلفة المواجهة على مصالحه وتحالفاته.
لن تقوم دولة ما دام المال يشتري السلطة، والسلطة تردّ له الثمن حمايةً ونفوذًا. ولن يستعيد لبنان عافيته ما دامت خسائر الفساد تُقتطع من دواء مريض، وتعليم طفل، ومدّخرات عائلة، فيما تبقى مكاسب الفاسدين بمنأى عن المساءلة.
فالمال يزول، والسلطة تزول، لكن العمر الذي يُسرق من الناس لا يعود. ومن حقّ اللبناني أن يرى العدالة تتحقق في حياته، وأن يستردّ حقّه وهو قادر على أن يعيش به، لا أن يُنصفه حكمٌ يصل بعد رحيله.


