
يا الهي، اليوم وبعد الفّي عام على انطلاقة سفينة الخلاص التي لا ولن تقوى عليها قوى الشر، لم نعد في زمن الدعوة، صرنا في زمن السوبرماركت الكنسي.
كاهن يرفض هذه الأبرشية لأن مدخولها ضعيف، وفقيرة . وكاهن آخر يرفض تلك لأنها بعيدة، أو لأن عدد كهنتها قليل ويتعب فيها. نسوا أن دعوة الراعي الصالح تبقى دعوة، إن كان القطيع قليل العدد أو كثيراً، وإن كانت المراعي خصبة أو قاحلة. المسيح لم يسأل عن ميزانية الخراف قبل أن يموت عنها.
والأدهى من الكهنة، بعض المطارنة. مطران يطلب هو بنفسه أن ينتقل من أبرشيته إلى أبرشية جديدة. ليس لأن أبرشيته فقيرة، ولا لأن محيطها صعب، بل لأن رائحته قد انتشرت ! والحقيقة التي يعرفها الجميع ويخاف أن يقولها: الريحة التي تظهر في مكان ما، لا يستطيع صاحبها أن يخفيها في مكان آخر. لأن مصدر الريحة هو الناقل، وليس المكان. والمكان الجديد سيشمها أيضاً، بعد حين.
نقلوا مطارنة من الأرجنتين، ومن الولايات المتحدة، ومن البرازيل، ومن أستراليا وكندا، ومن بعلبك وصور وطرابلس والأردن وحيفا. غيروا العرسان كما تغير القمصان. والنتيجة؟ غالبية هذه التنقلات باتت فاشلة رعوياً وكنسياً وروحياً. أبرشية تُركت يتيمة، وأبرشية جاءها عريس مستعمل لا يحبها ولا تعرفه.
وهنا يجب أن نعترف، بتواضع وصدق: نعم، كنيستنا اليوم بحاجة ماسة إلى رجال أفاضل. لا ننكر هذا. المحنة حقيقية. لا يوجد فائض في الدعوات، بل يوجد عجز. لكن هذا العجز من أين يأتي؟
يأتي لأننا لم نعد نؤمن المحيط الروحي الذي تنبت فيه الدعوة. الدعوة مثل النبتة، لا تنبت في أرض مسممة. أي شاب اليوم يريد أن يصير كاهناً وهو يرى أن الكهنوت صار وظيفة، والمطرانية صارت منصباً، والرهبنة صارت شركة عائلية؟ أي شاب يريد أن يترك العالم وهو يرى رجال الكنيسة متعلقين بالعالم أكثر منه؟
كنا نربي أولادنا في الإكليريكية على الصلاة والصوم والفقر الإنجيلي. اليوم نربيهم على البروتوكول والمحاصصة: هذه الأبرشية للرهبنة الفلانية، وتلك للإكليروس العلماني، وهذه من حصة الشوف وتلك من حصة زحلة، وهذه للعائلة الفلانية! أقلعوا عن هذه المحاصصة المميتة بين الرهبانيات والإكليروس العلماني!
ما هذه البدعة؟ هل المسيح كان راهباً أم علمانياً؟ هل بطرس كان بولسياً أم مخلصياً أم شويريًا؟
عندما تقسمون الكنيسة إلى حصص: حصة للباسيليين الحلبيين وحصة للباسيليين الشويريين وحصة الباسيلي المخلصين وحصة للبولسيين وحصة للعلمانيين، أنتم لا تقسمون المناصب، أنتم تقتلون الدعوة. لأن الشاب الموهوب من الإكليروس العلماني يُمنع من أبرشية لأنها محجوزة لرهبنة، والراهب القديس يُمنع من أبرشية لأنها محجوزة للعلمانيين. بهذه المحاصصة، ضمنتم ألا يصل الأفضل، بل يصل صاحب الدور والمحظوظ بانتمائه وليس لاستحقاقه.
بالله عليكم، عودوا إلى رشدكم وإلى أصالة التاريخ الكنسي! في أصالة كنيستنا، المطران هو عريس أبرشيته في السراء والضراء. زواجه منها زواج كاثوليكي لا طلاق فيه. وويل لكنيسة لا تجد بين أبنائها عروساً لأبرشية، فتستعير من كنائس أخت! هذا الذي يسميه الفقه الإسلامي “إعارة العدة”. إنها محنة لم تمر بها أي كنيسة منذ ألفي عام.
صلاتنا إلى الروح القدس كي ينور العقول المسؤولة، كي يعوا دعوتهم ويقلعوا عن هذه التصرفات. وأعيدوا النظر في تربية أبنائكم في الإكليريكية، بدل أن تسكروها لأنها تفضحكم. افحصوا الدعوات الكهنوتية والرهبانية بجد، ولا تقبلوا الكهنة والرهبان حسب المحسوبيات الوطنية والعائلية والمجتمعية.
فالكنيسة لا تُبنى بأبناء العائلات والرهبانيات، بل بأبناء الله.


