
ليس لبنان في وجدان البابا لاوون الرابع عشر مجرّد وطن يستحق الصلاة والتضامن، بل قضية إنسانية ووطنية تتجاوز حدود الجغرافيا، ورسالة يخشى الحبر الأعظم أن تضيع وسط صراعات الداخل وتجاذبات الخارج. فاهتمامه بلبنان ليس عاطفة عابرة، بل تعبير عن قلق عميق على مصير وطن تتآكل سيادته تحت وطأة الأزمات، ويكاد يفقد، مع كل انقسام جديد، شيئًا من رسالته ودوره ومكانته.

من زيارته التاريخية إلى لبنان في كانون الأول 2025، إلى خشوعه أمام ضريح القديس شربل في عنايا، ووقوفه عند مرفأ بيروت حيث لا تزال جراح الرابع من آب مفتوحة على وجع الحقيقة والعدالة، لم يكن البابا لاوون الرابع عشر يكتفي بالتضامن مع شعب أنهكته المحن، بل كان يؤكد أن لبنان ليس وطنًا منسيًا في وجدان الفاتيكان، ولا قضية تستحضرها المناسبات ثم تطويها الأيام.
وها هي رسالته اليوم إلى رئيس الجمهورية جوزاف عون، التي شكره فيها على تمنياته بالشفاء، ويمنح من خلالها بركته الرسولية للرئيس وعائلته والشعب اللبناني، تضيف محطة جديدة إلى مسيرة اهتمامه بهذا الوطن، وتذكّر بأن لبنان، على الرغم من أزماته وجراحه، لا يزال حاضرًا في قلب الكنيسة الجامعة.

غير أن القيمة الحقيقية لهذه المحطات لا تكمن في تواريخها أو كثرتها، بل في الرسالة التي تختزنها. فلبنان، في وجدان الفاتيكان، ليس مجرّد بقعة جغرافية تتجاور فوقها الطوائف، بل أرض القديسين، وموطن الإيمان المتجذّر في التاريخ، وتجربة حضارية فريدة جعلت من التنوّع غنى، ومن العيش المشترك رسالة تتجاوز حدوده إلى الشرق والعالم. ومن هنا، فإن الخشية ليست على استقراره وحده، بل على ضياع فرادته وتآكل مقوّمات وجوده، حين تتراجع الدولة عن دورها، وتصبح كرامة الإنسان وحريته وأمنه رهينة الأزمات والانقسامات.

وحين يرفع قداسة البابا صوته داعيًا إلى السلام والعدالة والمصالحة، فهو لا يوجّه نداءً روحيًا لوقف العنف فحسب، بل يضع اللبنانيين، حكّامًا ومحكومين، أمام امتحان الضمير والمسؤولية. فلا سلام يُبنى على الخوف، ولا عدالة تستقيم في ظل الاستنسابية، ولا وطن ينهض ما دامت سيادته منقوصة وقراره موزّعًا بين المصالح والولاءات. إنها دعوة إلى استعادة الدولة، لا بوصفها سلطة تحكم، بل ضمانة تحمي، ومؤسسات تصون كرامة الإنسان، وتعيد إلى اللبنانيين ثقتهم بوطنهم ومستقبل أبنائهم.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه، وسط هذا الاهتمام البابوي المتواصل: ما جدوى أن يبقى لبنان حاضرًا في ضمير الحبر الأعظم، إذا كان غائبًا عن ضمائر بعض المؤتمنين على مصيره؟ وأيّ معنى لنداءات السلام والعدالة، إذا كانت تصطدم في الداخل بحسابات المصالح، وصراعات النفوذ، وعجز المسؤولين عن الارتقاء إلى مستوى الأخطار التي تهدّد الوطن؟
إن محبة الفاتيكان للبنان سندٌ معنوي كبير، وموقفٌ يتجاوز في دلالاته حدود التضامن الروحي، لكنها، مهما بلغت من صدق وعمق، لا تستطيع أن تكون بديلًا من إرادة وطنية تستعيد الدولة وتحصّن سيادتها. فالأوطان لا تُنقذها عواطف الآخرين مهما صدقت ، ولا تحميها المواقف الدولية مهما تعاظمت، إذا تخلّى المسؤولون فيها عن مسؤولياتهم، وغابت الإرادة القادرة على تحويل التضامن إلى فعل، والرجاء إلى مشروع إنقاذ.

لبنان لا تنقصه الصلوات التي ترتفع من أجله، ولا المحبة التي يحملها له الحبر الأعظم، بقدر ما تنقصه ضمائر تستيقظ على مسؤولياتها، وإرادات تتحرّر من حساباتها الضيّقة، ودولة تستعيد هيبتها وسيادتها وقرارها. فالصلاة تمنح الرجاء، لكنها لا تُعفي المسؤولين من واجب الإنقاذ، والمحبة تضيء الطريق، لكنها لا تستطيع أن تسلكه نيابةً عن شعبٍ ووطن.
ويبقى السؤال الأكثر إيلامًا: إذا كان البابا، من قلب الفاتيكان، يحمل لبنان في صلاته ووجدانه،
فمتى يحمله المسؤولون عنه في ضمائرهم وقراراتهم؟


