البارحة وأنا أتصفح منصات التواصل الاجتماعي، استوقفني جدالٌ راقٍ بين أحد الأساقفة وأحد المؤمنين، وأختتم ببيت شعرٍ يقول:هل بموتِ المؤسسة يموتُ المسيح؟ والجواب: حاشا.
تَجوعُ الكنيسةُ وألفُ روما تَجوع، وما يَجوعُ مَن أحبَّهم يسوع. فكتبتُ لا شعوريًا وتحت إلهام الروح: لتُلغَى مفاعيلُ كلِّ القوانينِ والتقاليدِ الدينية، وما يُلغى كهنوتُ كاهنٍ واحدٍ أحبَّه يسوع.
عبارةٌ أيقظت فيَّ وجعًا وطمأنينةً معًا. وجعًا لأنها ذكّرتني بهشاشة المؤسسات، وطمأنينةً لأنها أعادتني إلى جوهر الإيمان.
تاريخيًا قد يأتي يومٌ – وقد شهدنا – تُغلق فيه أبوابُ مؤسسات، وتفرغُ فيه الخزائن، وتُقنَّنُ فيه تقاليدُ عمرها قرون. قد تتعثّر روما بكلّ هيبتها الإدارية والقانونية، وقد تسقط أنظمةٌ وتتبدّل أعرافٌ تحت وطأة الزمن أو الاضطهاد أو الفقر. فالمؤسسات مهما عَظُم شأنُها تبقى بشريةً، وتُصيبها الشيخوخة والمرض والجوع. لكن السؤال الذي لا بدّ منه: هل بموتِ المؤسسة يموتُ المسيح؟ والجواب: حاشا.
الكنيسة ليست حجارة. الكنيسة ليست روما، ولا الفاتيكان، ولا قانونًا مدوَّنًا. الكنيسة هي مَن أحبَّهم يسوع. هي الجماعة الصغيرة التي تجتمع في بيت، هي الأمّ التي ترفع صلاتها في صمت، والشاب الذي يغسل أقدام الفقراء دون أن يراه أحد. هؤلاء لا يجوعون. لأن خبزهم ليس من تبرّعاتٍ ولا من ميزانيات. خبزهم هو القربان. وماؤهم ليس من صنبورٍ، بل من الوعد: مَن شرب من الماء الذي أُعطيه أنا فلن يعطش إلى الأبد.
كهنوتٌ واحدٌ أحبَّه وأقامه يسوع. قد تُلغى الرتبُ والمناصبُ والبروتوكولات. وقد تأتي أزمنةٌ يقلُّ فيها الكهنة وتُفرغ فيها الكراسي.
ولكن يستحيل أن يُلغى كهنوتُ كاهنٍ واحدٍ أحبَّه يسوع.
فالكهنوت ليس ثوبًا يُخلع، ولا بطاقةً تُسحب. الكهنوت هو ختمٌ لا يُمحى طبعه الروح القدس على النفس. هو قلبٌ محترقٌ بحب المسيح. هو كاهنٌ بلا رعيةٍ يحمل إنجيله ويعمّد طفلًا على ضفة نهر. هو إنسانٌ صار مسكنًا للمسيح، فصار هو بذاته كنيسةً متحركة. القوانين تتغيّر، أما المسحة فلا تُمحى. التقاليد تسقط، أما الدعوة فتبقى. هناك كهنةٌ أحبّوا المسيح وخدموا مذبحه، ثم نضج إيمانهم واتسع أفقهم، فاختاروا صدقًا الزواج إلى الكهنوت. والقانون الكنسي يوقفه عن خدمة المذبح، ولكن القانون نفسه عاجز عن إلغاء دعوته.
تجوع الكنيسة عندما تُبعد عن مذبحها كاهنًا لا يزال قلبه ينبض للرعية، ولا يزال لسانه يحفظ الإنجيل، ولا تزال يداه تشتاقان لرفع القربان. تجوع روما عندما تُقايض الرحمة بالبند، وتُقايض الشفاء بالعقوبة الأبدية.
صرختي لا تنادي إلى كسر القانون ولا إلى الفوضى. بل إلى رحاب الرحمة اللامتناهية: سبعين مرة سبع مرات. أتوسل إلى أن تجلس الكنيسة الأم مع ابنها الذي رأى كمال الكهنوت في سر الزواج وتقول له: خالفت الشرع الكنسي، وهذا ليس ضد الروح القدس كي تُحرم إلى الأبد! انزل عن الشجرة وتعالَ نجد لك طريقًا للعودة. طريق توبةٍ، وطريق تمييزٍ، وطريق خدمةٍ تُناسب وضعك الجديد وتحفظ كرامة السرّ وقدسية العائلة معًا.
لأن الذي يستطيع أن يرعى بيتًا، قادرٌ أكثر أن يفهم بيوت الرعية. والذي ذاق الضعف البشري، يصبح أرحم بالخطأة. والذي لم تُمحَ مسحته، لا يجوز أن يُدفن حيًا خارج الهيكل.
فلا يُلغى كهنوتٌ أحبَّه يسوع، حتى لو أُبعد عن المنبر، يبقى كاهنًا في صلاته، وفي دمعه على شعبه، وفي استعداده للعودة متى فتحت له الأم بابها.
حقًا، لم يؤسس المسيح شركةً، بل أسّس عائلة. لم يمنحنا نظامًا ماليًا، بل منحنا جسده ودمه. ولم يعدنا بمبانٍ، بل وعدنا: ها أنا معكم كلّ الأيام إلى انقضاء الدهر. فلا تخافوا يا أصحاب الغبطة والنيافة والسيادة إن جاعت روما. بل خافوا إن جُعنا نحن من المحبة. ولا تبكوا إن أُلغيت قوانين. ابكوا إن أُلغي الحب من القلوب، وإن أُغلق الباب في وجه كاهنٍ تزوّج. فالجوع الحقيقي هو جوعٌ إلى العدل والرحمة، لا جوعٌ إلى المال. والإلغاء الحقيقي هو إلغاءٌ للإنسان من قلب الإنسان، لا إلغاءٌ لبندٍ من قانون. ما دام هناك من أحبَّهم يسوع… وما دام هناك كاهنٌ واحدٌ يحنّ إلى مذبحه… فالكنيسة بخير، وسيأتي يومٌ وتعود.
الكنيسة لا تموت بنقص المال، تموت بنقص الرحمة. فلنبحث عن طريق عودة… لا عن طريق إلغاء.


