
هل انسحاب وزراء القوات اللبنانية من جلسات مجلس الوزراء عند حصول خلاف «دليل ضعف»؟ ليس بالضرورة. لكنّه ليس، في المقابل، «شهادة قوّة» تُمنح تلقائيًا لمن يغادرون القاعة. فموقفهم يُقاس بعدالة القضية التي يدافعون عنها، وبقدرتهم على حماية الشراكة والتأثير في القرار.
هناك فرق بين الانسحاب احتجاجًا على تجاوز دستوري أو إخلال بالشراكة الوطنية، وبين الانسحاب الذي يتحوّل إلى ردّ فعل متكرّر كلّما تعثّرت التسويات السياسية. وقد يكون رفض المشاركة في قرار موقفًا مسؤولًا، لكنّ المسؤولية تقتضي أيضًا الإجابة عن سؤال أساسي: ماذا بعد الانسحاب؟
البعض يصف هذه الخطوات بالشعبوية، والبعض يراها دفاعًا عن الحقوق. غير أنّ تبادل الأوصاف لا يحسم النقاش. المطلوب معرفة أسباب الاعتراض، ووضوح المطالب، والوسائل المتاحة لتحقيقها. فقد يكون الموقف محقًّا ولو لم ينجح فورًا، وقد ينجح الضغط من دون أن تكون نتائجه في مصلحة الدولة.
فالانسحاب قد يسحب الغطاء السياسي عن قرار، لكنّه لا يضمن إسقاطه. وإذا غادر الوزراء واستمرّ مجلس الوزراء في اتخاذ القرارات نفسها، يصبح السؤال عن جدوى الوسيلة مشروعًا. كما أنّ العودة إلى الجلسات تستوجب توضيح ما تحقّق، وما بقي موضع خلاف.
ولبنان عرف تجارب متعدّدة ، اختلفت أسبابها وأشكالها، ولم تقتصر على قوى سياسية مسيحية.
عام 2004، استقال الوزراء مروان حمادة وغازي العريضي وعبد الله فرحات وفارس بويز احتجاجًا على تمديد ولاية الرئيس إميل لحود. وكانت تلك خطوة اعتراضية جمعت وزراء من انتماءات طائفية مختلفة حول قضية سياسية ودستورية.
وفي تشرين الثاني 2006، استقال الوزراء الشيعة الخمسة المحسوبون على «أمل» و«حزب الله»، واستمرّت حكومة فؤاد السنيورة وسط نزاع حادّ على ميثاقيتها. وأظهرت هذه التجربة أنّ خروج ممثلي مكوّن طائفي قد يفتح أزمة شرعية سياسية ودستورية، من دون أن يؤدّي تلقائيًا إلى توقّف الحكومة.
وفي عام 2016، استقال وزير العدل أشرف ريفي على خلفية ملفّ ميشال سماحة واعتراضاته على أداء الحكومة. وفي آب من العام نفسه، قاطع وزراء «التيار الوطني الحر» ووزير «الطاشناق» جلسة لمجلس الوزراء اعتراضًا على التمديد للقيادات العسكرية، فيما انعقدت الجلسة في غيابهم. وهنا أيضًا، يجب التمييز بين موقف قوى سياسية مسيحية محدّدة وموقف جميع الوزراء المسيحيين.
وبين خريف 2021 وكانون الثاني 2022، توقّفت جلسات الحكومة نحو ثلاثة أشهر، على خلفية مقاطعة وزراء «أمل» و«حزب الله» ومطالبتهم بتنحية المحقّق العدلي في انفجار مرفأ بيروت، القاضي طارق البيطار. لكنّ القدرة على تعطيل الجلسات لا تمنح المطلب، بحدّ ذاتها، صفة الحقّ، ولا تجعل التعطيل إنجازًا وطنيًا.
ومع الشغور الرئاسي الذي بدأ عام 2022، قاطع وزراء محسوبون على الرئيس ميشال عون جلسات حكومة تصريف الأعمال، اعتراضًا على انعقادها وحدود صلاحياتها في غياب رئيس الجمهورية. ومع ذلك، استمرّت الحكومة في الاجتماع بحضور وزراء آخرين، وبقي الخلاف على الصلاحيات وآليات ممارستها قائمًا.
أما اعتكاف وزير الطاقة جو الصدّي، الذي أعلنه في 6 تشرين الأول 2026 على خلفية مطالب مرتبطة بالكهرباء وتمويل مؤسسة كهرباء لبنان، فيقدّم حالة مختلفة: وزير يعلّق مشاركته في الجلسات ويواصل ممارسة مسؤولياته الوزارية. وهذا يذكّر بأنّ كلّ اعتراض يصدر عن وزير مسيحي ليس بالضرورة معركة على حقوق المسيحيين؛ فقد يتعلّق بمرفق عام يمسّ مصالح اللبنانيين جميعًا.
ولا بدّ، في قراءة هذه السوابق، من التمييز بين مغادرة جلسة، ومقاطعة الاجتماعات، والاستقالة من الحكومة. فلكلّ منها أثر مختلف. يحدّد الدستور نصاب انعقاد مجلس الوزراء بثلثي أعضائه، وينظّم آليات اتخاذ قراراته، ويعتبر الحكومة مستقيلة إذا فقدت أكثر من ثلث عدد أعضائها المحدّد في مرسوم تشكيلها، ضمن حالات أخرى. أما الخلاف على الميثاقية، فلا يصحّ اختزاله بحساب الأعداد وحده، ولا التعامل مع الاجتهادات المتعارضة بشأنه باعتبارها أحكامًا محسومة.
لكنّ السؤال الأعمق الذي ينبغي للقوى المسيحية أن تطرحه على نفسها هو: هل المشكلة في تصرّف الوزراء عند كلّ أزمة، أم في غياب تفاهم على قواعد الشراكة وكيفية الدفاع عنها؟
حين تختلف هذه القوى على تعريف التجاوز نفسه، يصعب تحويل الاعتراض إلى موقف مؤثّر. وحين يرفع كلّ فريق مطالبه الحزبية إلى مرتبة القضية الوجودية، تختلط حماية الشراكة بحماية الحصص، ويضيع الفارق بين حقوق الناس ومصالح المتحدّثين باسمهم.
وحدة الموقف المطلوبة لا تعني إلغاء التعدّد المسيحي، ولا جمع الأحزاب في مواجهة سائر اللبنانيين. إنّها تعني الاتفاق على ثوابت واضحة: احترام الدستور، ورفض الاستئثار، وحماية التوازن الوطني، وعدم استخدام مؤسسات الدولة ومصالح المواطنين أوراقًا في التسويات.
وهذه الوحدة، على أهميتها، لا تكفي وحدها. فالمطلب يكتسب قوّة إضافية حين يستطيع أصحابه إقناع شركائهم بعدالته وبناء تأييد له خارج بيئتهم. وحماية الدور المسيحي تكون أقوى حين تستند إلى قواعد تحمي أدوار الجميع وحقوقهم.
الشراكة الوطنية لا تُصان بالانسحاب وحده، ولا بالصمت على التجاوزات. تُصان بالحضور الفاعل، والاعتراض الواضح، والتفاوض الذي يعرف غايته، واستخدام الوسائل الدستورية والسياسية المناسبة. وإذا أصبح الانسحاب ضروريًا، فليكن واضح الأسباب، محدّد المطالب، ومعروف شروط العودة.
ليس الضعف أن يغادر الوزراء القاعة دفاعًا عن مبدأ. لكنّ تكرار المغادرة، فيما يتكرّر التجاوز نفسه، يفرض مراجعة الوسيلة بدل الاكتفاء بالدفاع عنها.
فالمطلوب أن يمتلك المسيحيون رؤية واضحة للشراكة وخطة للدفاع عنها؛ عندها يصبح حضور وزرائهم مشاركةً مؤثّرة، وانسحابهم، حين تدعو الضرورة، خطوةً لها ما بعدها.


