الملكيون: أزمة هوية معلقة بين البور والفلاحة
أنطوان نصر – بدارو
ولدت كنيسة الروم الملكيين الكاثوليك سنة 1724، ليس في مجمع لاهوتي، بل في صالون قنصلي في حلب. إثر خلاف بين مطرانين، مطران حلب ومطران الشام. بين كيرلس السادس طناس وسلفستروس الأنطاكي، وهذا الانقسام كان نتيجة تراكم طويل حماية فرنسية لتجار، إرساليات تبحث عن موطئ قدم، وبطريركية أنطاكية مثقلة بالعثمنة واليوننة. كان الانفصال قراراً شجاعاً للبعض، ومصلحةً تجاريةً للبعض الآخر. لكنه على كل حال لم يكن ثمرة نهضة روحية كبرى كالتي ولدت الإصلاح أو الأرثوذكسية. ولا على قاعدة قداسة مؤسسها قديسًا، بل كان انفصالًا رعويًا -سياسيًا بلباس لاهوتي.
وهنا تكمن العقدة الأولى: كنيستنا لم تؤسس على رؤية لاهوتية واضحة، بل على معادلة: نبقى أرثوذكسًا في الطقس، ونصبح كاثوليكًا في الطاعة. معادلة ذكية في القرن الثامن عشر، لكنها معادلة لا يمكن أن تعيش إلى الأبد.
لعبنا دورًا تاريخيًا لا يُنكر. كنا المترجمين، كنا الذين يفهمون روما بالعربي ويفهمون العرب بروما. كنا وجه الشرق المقبول في الغرب. لكن العالم تغير. روما اليوم لا تحتاج إلى مترجم. البابا يزور الأزهر، يلتقي بطريرك موسكو، يجلس مع بطريرك القسطنطينية، يتكلم مع الجميع مباشرةً وامام العالم اجمع. فجأةً، وجد الملكي نفسه موظفًا سابقًا في شركة استغنت عن خدمات الترجمة.
فماذا نفعل؟ وما العمل؟ أرقامنا تقول الحقيقة. لا نزيد عن مليون ملكي تقريبًا في كل العالم، وكنائسنا في سوريا ولبنان تفرغ، وأبرشياتنا في المهجر تتحول إلى جمعيات ثقافية أكثر منها جماعات مؤمنة. لدينا بطريرك بلا بطريركية فعلية، وسينودس منقسم، وإكليروس يبحث عن بطاقة سفر.
الأزمة ليست ماليةَ، الأزمة وجودية. نسأل كل ملكي اليوم: من أنت؟ سيجيبك: أنا روم أرثوذكسي… أنا روم كاثوليكي. جملة واحدة فيها انفصام كامل. نحتفل بالقداس الإلهي للقديس يوحنا الذهبي الفم، ونريد أن نُدار كأبرشية لاتينية. نتغنى بآبائنا اليونان، ونستورد تعاليم أخلاقيةً من روما. نريد أن نكون شرقيين حين يفيدنا الشرق، وغربيين حين يفيدنا الغرب. رجل في البور ورجل في الفلاحة، كما يقول مثلنا العامي، والنتيجة أننا لا نحرث ولا نحصد. آن الأوان للجرأة. والجرأة ليست خطيئةً. أمامنا خياران لا ثالث لهما، وكل تأخير في الاختيار هو انتحار بطيء.
الخيار الأول: أن نعود إلى بيتنا الأم. أن نقول بشجاعة: تجربة الشركة مع روما كانت غنيةً لكنها استنفدت غايتها، وآن لنا أن نعود إلى كنيسة أنطاكية الأرثوذكسية، ونحمل معنا غنانا الكاثوليكي كهدية مصالحة، لا كغنيمة. هذا يحتاج إلى قديسين لا إلى إداريين.
الخيار الثاني: أن نختار روما بلا تردد. أن نكون كنيسةً شرقيةً كاثوليكيةً بكل ما للكلمة من معنى، لا تنظر إلى الوراء بحنين مرضي، ولا تعيش عقدة نقص أمام الأرثوذكس، بل تمشي مع روما إلى الأمام، وتتوقف عن لعب دور الضحية التاريخية. أما أن نبقى في الوسط، نبيع الشرق للغرب والغرب للشرق، ونعيش على أمجاد جسر لم يعد أحد يعبر عليه، فهذا هو العبء الحقيقي الذي أصبحنا نحمله على كتفي الكنيسة الجامعة.
الكنيسة التي لا تعرف لماذا تأسست، لا تعرف إلى أين تذهب. والمسيح لا يسكن في كنائس مترددة، بل في كنائس تعرف هويتها وتدفع ثمنها. كفى تعرجًا.


