
في هذا الأسبوع، ترتفع الصلوات في ذكرى استشهاد داني شمعون وزوجته وطفليه، وتعود معها إلى الذاكرة واحدة من أكثر صفحات التاريخ اللبناني وجعًا. ليست المناسبة مجرّد استذكار لرئيس حزب الوطنيين الأحرار، ولا محطة عابرة في روزنامة الذكريات الوطنية، بل وقفة أمام مأساة اغتيل فيها رجل وزوجته وطفلاه في عقر دارهم، في زمن كان لبنان يرزح تحت وطأة الحروب والصراعات والوجود السوري.
ستة وثلاثون عامًا مرّت على تلك المجزرة، لكنّ الزمن لم يستطع أن يمحو فداحتها. فحين تصل يد القتل إلى منزل يفترض أن يكون ملاذًا للأمان، وحين لا تُستثنى من الجريمة زوجة ولا طفلان، تصبح الفاجعة أكبر من اغتيال سياسي، وأعمق من خلاف بين خصوم. إنها جريمة تطعن معنى الإنسانية قبل أن تطعن الحياة السياسية، وتترك في ضمير الوطن جرحًا لا تلتئم آثاره بمجرّد مرور السنوات.
ولعلّ أشدّ ما يوجع في استعادة هذه الذكرى أنّ لبنان، الذي قدّم آلاف الضحايا على مذبح صراعاته، لا يزال يبحث عن الدولة التي تحمي أبناءه من المصير نفسه. فكم من بيت لبناني عرف الفقد؟ وكم من عائلة دفعت ثمن خلافات لم تكن طرفًا فيها؟ وكم من دمعة سقطت بصمت، فيما استمرّت الحياة السياسية كأنّ شيئًا لم يكن؟
هنا، وبعد أن نترحّم على أرواح داني شمعون وزوجته وطفليه، يفرض السؤال نفسه: ماذا تعلّم لبنان من كل هذه الدماء؟ هل أدرك أنّ الاختلاف السياسي لا يبرّر القتل، وأنّ السلاح حين يتقدّم على القانون يتحوّل إلى تهديد للجميع، وأنّ الوطن الذي يعجز عن حماية الإنسان داخل منزله يعجز عن منح مواطنيه أبسط معاني الطمأنينة؟
إنّ الوفاء لداني شمعون وعائلته لا يكتمل باستعادة الصور والخطب والمواقف، على أهميتها، بل يبدأ من الاعتراف بأنّ لبنان لم يُنصف ذاكرته بعد. فما زالت العدالة في قضايا كثيرة مطلبًا معلّقًا، وما زال الخوف من العنف حاضرًا، وما زالت الدولة التي حلم بها اللبنانيون تصارع لتكون صاحبة القرار والكلمة الفصل في شؤون الوطن.
واليوم، فيما يواجه لبنان تحدّيات تمسّ سيادته وأمنه ومستقبل أبنائه، تبدو العبرة أكثر وضوحًا: لا حماية للبنانيين من دون دولة واحدة، ولا دولة حقيقية في ظلّ تعدّد مصادر القوة والقرار، ولا استقرار دائمًا ما لم يصبح القانون فوق الجميع، من دون استثناء أو مساومة.
لكنّ القضية ليست سياسية فحسب. ففي كل ذكرى مماثلة، علينا أن نتذكّر أنّ خلف الأسماء التي نقرأها في كتب التاريخ وجوهًا وأحلامًا وحياةً عائلية انقطعت فجأة. كان هناك بيت، وزوجة، وطفلان، وأيام كان يُفترض أن تُعاش، ومستقبل لم يُتح له أن يكتمل. وهذه الحقيقة الإنسانية يجب ألّا تضيع خلف الشعارات، مهما علت.
إنّ لبنان لا يحتاج إلى مزيد من الشهداء كي يقتنع بأنّ الحياة أغلى من الصراعات، ولا إلى مزيد من المآسي كي يدرك أنّ العدالة ليست انتقامًا، بل ضمانة لئلّا تتكرّر الجريمة. فالبلد الذي يكتفي بإحياء ذكرى ضحاياه، من دون معالجة الأسباب التي جعلتهم ضحايا، يبقى مهدّدًا بإعادة إنتاج أحزانه.
وفي القداس الذي يُقام هذا السبت لراحة أنفس الراحلين والشهداء، لن تكون الصلاة مجرّد عودة إلى الماضي، بل مناسبة للتأمّل في مسؤوليتنا تجاه الأحياء أيضًا؛ تجاه أطفال لبنان الذين يستحقّون أن يكبروا بلا خوف، وتجاه عائلاته التي تستحقّ أن تنام مطمئنّة، وتجاه أجياله المقبلة التي يجب ألّا ترث من تاريخنا سوى الدروس، لا المآسي.
لقد اغتيل داني شمعون وزوجته وطفلاه، لكنّ السؤال الذي تتركه ذكراهم لم يُغتل، ولا يجوز أن يموت: متى يصبح لبنان وطنًا يحمي أبناءه بدل أن يكتفي برثائهم؟
فالمجد للشهداء لا تصنعه الكلمات وحدها، والوفاء لهم لا يُقاس بعدد أكاليل الزهر ولا بحرارة الخطب، بل بقدرتنا على بناء دولة لا يحتاج فيها الإنسان إلى أن يصبح شهيدًا كي تُصان كرامته ويُعترف بحقّه في الحياة.
ولعلّ أصدق صلاة نرفعها في ذكراهم أن يأتي يوم لا تضطرّ فيه أمّ لبنانية إلى وداع طفلها ضحيةً لصراع، ولا يُفتح فيه بيت للعزاء لأنّ السياسة عجزت عن أن تكون حوارًا بدل أن تتحوّل إلى دماء.
رحم الله داني شمعون وزوجته وطفليه، وجميع شهداء لبنان.
وليبقَ السؤال حيًّا في ضمير كل لبناني :
كم من الدماء يحتاج هذا الوطن بعد، ليتعلّم أن يحمي الحياة؟


