
تشكل لحظة سقوط حصن علي الطاهر بيد القوات الإسرائيلية لحظة حاسمة في المواجهة الدائرة بين إسرائيل وحزب الله منذ الثاني من آذار الفائت، لأكثر من سبب وحجة ومعطىً.
في العمق، تشكل هذه اللحظة نقطة تحول كبرى وأساسية على أكثر من مستوى عسكري وسياسي، على وجه الخصوص فيما يتعلق بدور حزب الله في لبنان ووجوده ومستقبله، من الآن فصاعداً.
فما كان قبل سقوط علي الطاهر، لن يكون بعده، بالنسبة للحزب ودوره وموقعه. قد لا تظهر نتائج هذه الموقعة سريعاً، لكنها بالتأكيد ستظهر تباعاً وحتماً، وستكون حاسمة وأساسية بالنسبة للحزب.
السبب في هذه الأهمية أن هذا الموقع الحصن التحت أرضي كان يشكل ويلعب دور العقدة الأساسية بالنسبة للجنوب والسيطرة والتحكم العسكرية والأمنية واللوجستية والمعنوية.
فمع سقوط هذا الموقع، وقبله موقع قلعة الشقيف، سقطت عملياً وعسكرياً مدينة النبطية وباقي القضاء وما يحيطه، وباتت المدينة وقراها تحت رحمة العدو ورغباته ونياته. فإضافة لقدرات الطائرات والمسيرات الحديثة، وفوق تفوق العدو الجوي والتكنولوجي، وما توفره من مرونة، بات بإمكانه إذا أراد، ممارسة عمليات القنص مستهدفاً شوارع وأزقة المدينة.
وهذا ما دفع عملياً، إلى كتابة وصدور ما يسمى “نداء النبطية” من الناشطين وأهالي المدينة والمهتمين بسلامتها واستمرارها، بما تحمله هذه المدينة الصغيرة والرمزية في الوجدان اللبناني عامة، والشيعي على وجه الخصوص، أكثر من أي مدينة جنوبية أخرى.
صحيح أن كل حاضرة من حواضر جبل عامل لها خصوصيتها في الجنوب ولدى الاجتماع الشيعي في لبنان، لكن مدينة النبطية تشكل خاصية مميزة بين كل بقية الحواضر وعلى كل المستويات، إن من ناحية اللهجة والنكهة والعصبية والعادات وأصناف الطعام وطريقة الكلام والعيش والاجتماع والاقتصاد.
ففي النبطية سوق الاثنين الأسبوعي الذي يعرض فيه أهل القرى المحيطة إنتاجهم الزراعي واليدوي وسلعهم التجارية للبيع والتبادل. وهو مناسبة للاجتماع والتلاقي والتبادل واللقاء بين السكان.
والنبطية هي البلدة والحاضرة الشيعية الأولى في لبنان التي استقبلت وأحيت مراسم عاشوراء، ومسرحت واقعة الطف في اليوم العاشر من مراسم عاشوراء. حيث تتميز بالإعداد والتمثيل والتقديم عن باقي المناطق والمدن المن الجنوبية والشيعية.
ويقال إن هذا الطقس المسرحي الاحتفالي، بتقاليده ومراسيمه، انتقل أول ما انتقل من فارس، ووصل إلى النبطية، التي استمرت بإحياء هذا الطقس وطورته إلى يومنا هذا.
الذي جرى إن سقوط حصن علي الطاهر، مقر وحدة بدر، قد شرع أبواب الاحتلال للمدينة من دون عناء، هذا إذا لم يحولها إلى تكرار ونسخ لنكبة ترميد وسحق وإزالة معالم مدينة بنت جبيل.
من ناحية أخرى فان الأهمية التي أضفتها موقعة سقوط علي الطاهر شكلت قطع آخر صلة وصل أو فرصة كانت متاحة للحزب للوصل مع بقية المكونات في لبنان. وقد كانت ربما أخر فرصة “للبننة” الحزب وبداية فصله عن مرضعته ومربيته إيران.
فلو سمحت إيران للحزب بتسليم موقع علي الطاهر للجيش اللبناني، لكانت ربطت بشكل قوي، وقوت العلاقة بين هذا الحزب وباقي المؤسسات اللبنانية.
ولذا، فان رفض تسليم الموقع للجيش وسقوطه بيد إسرائيل، شكل قطعاً قوياً وحاداً مع أي أمل لعلاقة طبيعية للحزب مع مؤسسات الدولة في لبنان.
والواقع أنها ليست المرة الأولى التي يتنصل فيها الحزب من العلاقة مع باقي المكونات اللبنانية. فقد بذلت محاولات ومساعٍ سابقة ومتعددة لإتاحة الفرصة للحزب لتوسيع الحيز اللبناني فيه على حساب الارتباط الإيراني لكنها فشلت كلها.
ففي سنة 2005 كان ما يعرف بالحلف أو “التفاهم الرباعي” (وهو التفاهم بين المستقبل والتقدمي الاشتراكي والقوات اللبنانية والثنائي الشيعي على الانتخابات) محاولة جادة من باقي القوى لشد الحزب باتجاه الحياة السياسية والتركيبة اللبنانية، لكنه فشل مع الاعتصام في وسط بيروت والانقلاب على حكومة فؤاد السنيورة وما تبع ذلك من أحداث انتهت بغزوة السابع من أيار 2008.
المحاولة الثانية تمثلت بمؤتمر الدوحة، لكنها سقطت مع إسقاط حكومة سعد الحريري في 2010 عبر استقالة الوزير الملك.
المحاولة الثالثة، لدمج الحزب بالتركيبة اللبنانية تمت بعد تشرين الأول 2023 وطوفان الأقصى، حيث وجهت كل التحذيرات والمطالبات والتنبيهات لعدم الانخراط في حرب غزة. لكنها سقطت أيضاً، وحدث ما حدث من اغتيال الأمينين العامين، وفضيحة البيجر وتصفية النخبة العسكرية. لتعود وتطيح الصواريخ الست انتقاماً لاغتيال الخامنئي بأي أمل بإبقاء حصة أو اعتبار للبنان ومصالحه، من قبل الحزب.
مع كل النكسات التي واجهها وتلقاها، وتعرض لها، شكلت موقعة علي الطاهر، آخر محاولة لانضمام أو ضم الحزب إلى تفاهم أو معادلة لبنانية، لكنها أيضاً كانت رهاناً خاسراً بشكل كبير، أثبت فيها الحزب أنه خارج التركيبة والمعادلة “اللبنانوية”، ولا يريد أن يدخلها إلا عن طريق الانقلاب العسكري والسيطرة الأمنية والسياسية على كل الأوضاع.
بعض الصحف الاسرائيلية راحت تتحدث بعد سقوط علي الطاهر، عن أن الطريق إلى بيروت والبقاع باتت مفتوحة أمام قواتها.
ماذا سيفعل الحزب ولبنان، إذا ما مدت قوات الاحتلال سيطرتها على تلال الريحان وسجد ومنطقة جزين وباقي إقليم التفاح؟
هل سيعود الحزب إلى الموقف السابق الذي عُرف واختُبر، بالأدوات والأساليب السابقة، وتجربة حرب العصابات مجدداً؟ بالعبوات الناسفة والكمائن؟ وما نفع كل ذلك بعد أن أعيد احتلال الجنوب، وتم تدمير أغلب مدنه وقراه، وتحويله دماراً ورماداً معمماً؟
وإذا كانت إيران قد حركت ذراعها الحوثية خلال الساعات الماضية، للانقلاب على الأوضاع في اليمن، هل ستفعلها إيران في لبنان مجدداً مع حزب الله؟


