لم تكن الطائفة الشيعية في لبنان بحاجة يوماً إلى مرجعية خارج حدود الوطن كي تثبت وجودها ، أو تحمي خصوصيتها ، أو تصون حقوقها . كان لها علماؤها ومفكروها ورجالها ، وكان لها تاريخها وموقعها في لبنان ، ولم تكن بحاجة إلى استعارة مرجعيتها من الخارج كي تكون قوية أو حاضرة .
لكن التحول بدأ عندما لم يقتصر الأمر على الاستعانة بالخارج ، بل وصل إلى استبعاد علماء لبنان وتهميش مرجعياته ، وإعلاء مرجعيات خارجية عليها .
وهنا تغيّر المعنى .
فالعَالِم اللبناني الذي كان يفترض أن يكون مرجعاً لمجتمعه ، وجد نفسه خارج دائرة التأثير ، بينما أُعطي القرار الديني والسياسي لمرجعيات لا تعيش الواقع اللبناني ولا تتحمل نتائج القرارات التي تُتخذ باسمه .
لكن لماذا احتاج الشيعي اللبناني إلى مرجعية خارج لبنان ، وهو يملك علماءه الذين كانوا علماء الخارج ومرجعياته وتاريخه؟
ولماذا تحولت المرجعية من مصدر للاستقلال والوعي إلى باب للتبعية؟
المشكلة ليست في الدين ، ولا في التشيع ، ولا في وجود علاقة دينية مع الخارج . المشكلة تبدأ عندما تتحول المرجعية الخارجية إلى بديل عن المرجعية اللبنانية ، ويصبح الانتماء إلى مشروع عابر للحدود أقوى من الانتماء إلى الوطن .
هنا تحديداً استُبدلت الحاجة… بالتبعية .
كان المطلوب أن تتحول حاجات الشيعة اللبنانيين إلى قوة داخل الدولة ، فإذا بها تتحول إلى مبرر لقوة خارج الدولة .
وكان المطلوب أن يحمي العَالِم مجتمعه ، فإذا ببعض المرجعيات تتحول إلى حارس لمشروع يتجاوز المجتمع والوطن .
إن استعادة القرار لا تعني التخلي عن الدين أو المذهب ، ولا تعني العداء للخارج ، بل تعني أن تعود المرجعية اللبنانية إلى مكانتها ، و إلى بيئتها ، والقرار إلى اللبنانيين ، والوطن إلى موقعه الأول .
فالشيعي اللبناني ليس بحاجة إلى أن يذوب في مشروع لا يشبه لبنان كي يحافظ على هويته ، كما أن قوة الطائفة لا تكون بإلغاء علمائها ، بل بامتلاكها مرجعية تحترم خصوصيتها وتضع مصلحة مجتمعها ووطنها أولًا .
لم تكن المشكلة يوماً في الحاجة إلى الخارج ، بل في أن تتحول الحاجة إلى تبعية ، والمرجعية إلى وصاية ، والانتماء إلى مشروع عابر للحدود يتقدّم على الانتماء إلى الوطن .


