ليس السؤال اليوم ما إذا كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يستطيع أن يحقق نفوذاً واسعاً في سوريا . فتركيا أصبحت لاعباً أساسياً في المشهد السوري ، وهي تدعم الدولة السورية الجديدة ، وتساهم في إعادة بناء مؤسساتها ، كما ترى في دمج قسد في الدولة السورية مصلحة مباشرة لأمنها القومي .
لكن ماذا لو نجح أردوغان أكثر مما ينبغي؟
هنا تبدأ المقاربة مع صدام حسين .
صدام لم يقع في الفخ لأنه لم يكن قادراً على دخول الكويت ، بل لأنه لم يحسب جيداً ما سيحدث بعد الدخول . فالمكسب العسكري الذي بدا سريعاً وسهلاً تحوّل إلى مواجهة أوسع ، اجتمعت فيها قوى ومصالح لم تكن في حساباته ، فتحول الانتصار إلى مأزق استراتيجي انتهى بخسارة أكبر بكثير من المكسب الذي أراده .
وأردوغان قد يواجه ، بطريقة مختلفة ، الخطر نفسه .
فكلما ازداد النفوذ التركي في سوريا ، واتسع دور أنقرة في بناء مؤسسات الدولة والجيش والأمن ، لن يبقى الأمر شأناً تركياً سورياً فقط . فما تراه تركيا دعماً للدولة السورية وحماية لأمنها القومي ، قد تراه قوى أخرى مشروع نفوذ إقليمي يتوسع في منطقة شديدة الحساسية .
وهنا تدخل إسرائيل في المعادلة .
فالضربات الإسرائيلية التي استهدفت قاعدة أبو الظهور السورية في آب ، وما رافقها من تحذيرات بشأن تنامي الدور التركي ، أظهرت أن هناك حدوداً بدأت تُرسم لما يمكن لتركيا أن تفعله في سوريا ، حتى لو نفت دمشق وأنقرة وجود خطة لإنشاء قاعدة تركية دائمة هناك .
لكن أردوغان لا يتحرك في فراغ ، ولا يبدو أنه يريد أن تكون تركيا وحدها في مواجهة التحولات الإقليمية .
ففي 7 آب ، وقّعت تركيا والسعودية وباكستان اتفاق دفاع مشترك ، ينص على أن الهجوم المسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجوماً عليها جميعاً ، مع توجه واضح إلى تعزيز التعاون الدفاعي والصناعات العسكرية .
هذا يمنح تركيا عمقاً استراتيجياً إضافياً ، ويجعل مهمة احتوائها أكثر تعقيداً . لكنه قد يحمل في الوقت نفسه مفارقة أخرى . كلما ازدادت مظلة القوة حول أردوغان ، ازداد احتمال أن يشعر بقدر أكبر من القدرة على توسيع نفوذه .
وهنا يكمن الخطر . فالمشكلة بالنسبة إلى أردوغان ليست في أن ينجح في سوريا ، بل في أن يتحول نجاحه إلى مصدر قلق لدى الآخرين . فإذا نجح في دعم دمشق ، وتقوية مؤسساتها وجيشها ، والمساهمة في دمج قسد ، وتثبيت نفوذ تركي طويل الأمد ، فقد يجد نفسه أمام معادلة لم تكن موجودة في بداية الطريق . قوى مختلفة المصالح ، لكنها تلتقي على ضرورة الحد من التمدد التركي .
وليس المطلوب أن تدخل إسرائيل في مواجهة مباشرة مع تركيا . قد يكون احتواء النفوذ التركي أكثر فاعلية من مواجهته ، عبر رسم خطوط حمراء ، ورفع كلفة التوسع ، ودفع الولايات المتحدة إلى التدخل لمنع احتكاك مباشر بين قوتين كبيرتين في المنطقة .
لكن هل يستطيع أردوغان أن يعرف متى يتوقف؟
صدام أخطأ حين اعتقد أن القدرة على فرض الأمر عسكرياً تعني القدرة على تحويله إلى واقع سياسي . لكن السياسة لا تُقاس فقط بما تستطيع الدولة أن تفعله ، بل أيضاً بما يستطيع الآخرون فعله عندما يشعرون أن ميزان القوة بدأ يهدد مصالحهم .
وأردوغان ، إذا أراد ألا يكرر تجربة صدام بصورة مختلفة ، عليه أن يدرك أن النفوذ ، مثل القوة العسكرية ، له حدّ آمن . بعد هذا الحد قد لا يعود التوسع إضافة إلى القوة ، بل يصبح سبباً في تشكيل جبهة مضادة .
لذلك ، قد لا يكون أخطر ما يواجه أردوغان في سوريا هو الهزيمة ، بل النجاح الذي يتجاوز قدرة الآخرين على احتماله .
فالقائد لا يُختبر فقط عندما يعرف كيف ينتصر ، بل عندما يعرف متى يكون التوقف جزءاً من الانتصار .
لأن الانتصار لا يُقاس فقط بالوصول إليه، بل بالقدرة على المحافظة عليه. فالمحافظة على الانتصار أهم من الانتصار نفسه؛ إذ إن انتصارًا لا يُحسن صاحبه إدارته قد يتحول، مع الوقت، إلى بداية خسارته


