المصدر :Maronites For Lebanon
تعود هذه الكلمة إلى قلبي في هذه الأيام بإلحاح.
أمام ما يُقال ويُكتب بحق صاحب الغبطة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي،
لا أشعر بحاجة إلى الدخول في سجال، ولا إلى مجاراة لغة الإساءة والإهانة.
فما يُقال أحيانًا تجاوز حدود الرأي، وصار في كثير منه تجريحًا وافتراءً وتشويهًا لا يليق بكرامة الإنسان ولا بأخلاق الكلام.
ولهذا لا أريد أن أجيب الكلام بالكلام. أريد فقط أن أقول ما يعرفه ضميري، وما يعرفه كل من عرف هذا الرجل عن قرب. فالحقيقة أوسع من خبر، وأعمق من شائعة، وأبقى من حملة عابرة.
من عرف البطريرك الراعي يعرف فيه رجل صلاة ورجل كنيسة. يعرف إنسانًا بسيطًا، متواضعًا، حنونًا، شديد الحساسية تجاه ألم الناس، ويعرف رجلًا أعطى الكنيسة عمره كله تقريبًا.
دخل الدير وهو في الثانية عشرة من عمره، ومنذ ذلك الحين مضت حياته في مدرسة الخدمة: راهبًا، ومربيًا، وأستاذًا، وكاهنًا، ومطرانًا، ثم بطريركًا. علّم وربّى أجيالًا، ورافق كهنة ورهبانًا وعلمانيين، ووقف إلى جانب عائلات كثيرة في أفراحها وأوجاعها، وزار المرضى، وعزّى المتألمين، وحمل قضايا الناس في قلبه وصلاته.
وعرفه أبناء جبيل مطرانًا وراعيًا. عرف القرى والعائلات والناس، وكان حاضرًا بينهم، يحمل همومهم ويشاركهم تفاصيل حياتهم.
ثم حملته الكنيسة إلى بكركي، ومنذ ذلك اليوم صار عليه أن يحمل ما هو أكبر بكثير من شخصه. حمل همّ الكنيسة المارونية، وهمّ الكهنة والأبرشيات والرعايا والمؤسسات، وهمّ المدارس والمستشفيات والعائلات، وهمّ الشباب والهجرة، وهمّ المسيحيين في لبنان والشرق، وحمل فوق كل ذلك همّ وطن يتعب وينزف يومًا بعد يوم.
كم من مرة حمل صوت لبنان إلى العالم، وكم من باب طرقه من أجل الكنيسة والوطن، وكم من مرة دعا إلى المصالحة والحوار والعيش المشترك، وكم من مرة دافع عن الدولة والمؤسسات وكرامة الإنسان، وكم من مرة تحمّل ثقل الكلام حين كان الصمت أسهل وأقل كلفة.
وليس كل هذا ظاهرًا للناس. فالناس ترى المنبر، لكنها لا ترى دائمًا ما وراءه: الملفات الثقيلة، والأشخاص الذين يحملون إليه وجعهم، والقضايا الكنسية والوطنية التي لا تنتهي، والتعب الذي لا يظهر أمام الكاميرات.
ووسط كل ذلك، بقي رجل صلاة. من عرفه يعرف علاقته بالصلاة، وعودته الدائمة إلى الله، وارتباطه بالمسبحة. وحتى اليوم، ما زال يحمل مسبحته ويصلّي يوميًا، ويصلّي معه آلاف المؤمنين.
ولعل هذه الصورة وحدها تقول عنه الكثير: رجل يحمل كل هذه المسؤوليات، ويسمع كل هذا الضجيج، ثم يعود في النهاية إلى مسبحته. يصلّي من أجل الكنيسة، ومن أجل لبنان، ومن أجل المتألمين، ومن أجل شعبه، ويصلّي أيضًا من أجل الذين يجرحونه.
ومن عرفه عن قرب يعرف أيضًا قلبه. وراء قوة الموقف يوجد إنسان حساس، ووراء الهيبة يوجد رجل بسيط، ووراء المسؤولية الكبيرة يوجد قلب أبوي وحنون. كم من شخص دخل إليه مثقلًا وخرج أخفّ، وكم من عائلة وجد لها وقتًا ليسمعها، وكم من قصة حملها معه إلى الصلاة ولم يعرف عنها أحد.
وعظاته أيضًا تركت أثرًا عميقًا في أجيال كاملة. كم من إنسان وجد في كلمته رجاءً، وكم من شخص عاد إلى الصلاة، وكم من قلب تعزّى بكلمة سمعها منه. لكن حياته أكبر من عظاته. هناك عمر كامل من الخدمة: تعب راهب، وأمانة كاهن، وأبوة مطران، وثقل بطريرك، وسنوات طويلة وُضعت في خدمة الكنيسة والإنسان والوطن.
ولهذا يؤلم أن يحاول البعض بافتراءات وكلمات جارحة أن يختصر تاريخًا كاملًا. لكن الحقيقة لا تُمحى بهذه السهولة. أما ما يعزّي فهو ان الله يرى العمر كله. يرى الطفل الذي دخل الدير، ويرى الكاهن والمطران والبطريرك، ويرى جبيل ويرى بكركي، ويرى الوجوه التي مرّت أمامه، والقرارات الثقيلة، والصلاة التي لم يسمعها أحد، والتعب الذي لم يظهر أمام الكاميرات، والجراح التي بقيت في القلب. الله وحده يعرف كم كلّف الإنسان أن يبقى واقفًا.
ولعل في اسمه نفسه، بطرس، ما يعيد إلى القلب صورة الصخرة التي يضعها الإنجيل أمامنا. تمرّ العواصف، وتضرب الأمواج، ويعلو الضجيج، وتتطاير الكلمات، لكن الصخرة لا تدخل في جدال مع الموج. تبقى ثابتة.
ومن بنى حياته على المسيح، وأمضى عمره في خدمة الكنيسة، يعرف أن القوة ليست في أن يجيب كل إساءة، بل في أن يبقى واقفًا. وتعود إلى القلب كلمة الرب: «على هذه الصخرة أبني كنيستي، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها» (مت 16: 18).
فالكنيسة أكبر من حملات التشهير، وأكبر من الشتائم، وأكبر من الضجيج الذي يعلو اليوم ويختفي غدًا. قد تضرب الأمواج الصخرة، لكنها لا تحملها معها. والكلام يعلو ثم يهدأ، أما ما بُني في الصلاة والخدمة والأمانة، فيبقى.
وأمام كل ما يُقال، لا أجد في قلبي إلا الصلاة: يا رب، قوِّ هذا الرجل الذي فنى عمره في الخدمة. احفظه في تقواك لسنين طويلة، وعزّه، وأعطه سلام القلب وسط الضجيج. ثبّته كالصخرة، لا قساوةً بل أمانةً، ولا تسمح لقسوة الكلام أن تسلبه طيبته، ولا للافتراء أن يسرق منه سلامه. واجعل كل تعب حمله من أجل كنيستك ووطنه محفوظًا عندك.
وأعطنا نحن أيضًا قلبًا يخاف أن يظلم. أن نتوقف قبل أن نرمي كلمة، وأن نتذكر أن للكلمة حسابًا، وأن التشهير ليس بطولة، وأن الإهانة ليست شجاعة، وأن الافتراء، مهما تكرر، لا يستطيع أن يغيّر الحقيقة.
وعلّمنا أن نترك الحكم الأخير لك، فأنت وحدك تعرف القلوب. وأمام القسوة كلها، لا أجد أجمل من صلاة المسيح: «يا أبتاه، اغفر لهم، لأنهم لا يدرون ما يفعلون».
أما ما لا يعرفه الناس، وما لم تره العيون، وما لم تقله الأخبار، فقد رآه الله. وهذا يكفي.
الخوري شربل عبيد


