أنا ابنكِ في السماء يا أمي، فلا شيء يحرق قلبي هنا أكثر من دموعكِ. افرحي وهلّلي، ولا تدعي الحزن يهزم عينيكِ، فأنا لم أمت… أنا فقط سبقتكِ إلى حيث لا موت.
أنا الذي رسمت الخط الأحمر بمقاومتي ونضالي وبندقيتي، وكتبت على تراب لبنان أن الحرية لا تُوهب، وأن الكرامة لا تُستجدى، وأن الأوطان التي تستحق الحياة، تستحق أن نبذل من أجلها الحياة.
لماذا تبكين يا أمي؟ كل الجبهات تعرفني، وكل المتاريس تحفظ وقع خطاي: السوديكو، الأسواق، قنات، الغرفة الفرنسية، زحلة، وكل ذرة تراب من المنطقة الحرة… هناك مررت، وهناك قاتلت، وهناك تركت شيئًا من شبابي وأحلامي، قبل أن أترك دمي أمانة في تراب الوطن.
لم أندم لحظة، لأنني لم أحارب من أجل نفسي، بل من أجل قضية أجدادي وآبائي، ومن أجل كل الأبطال الذين سبقوني وحلموا بلبنان حرّ، عزيز، لا تنحني فيه الهامات إلا لله.
فلماذا تبكين يا أطيب قلب؟ ما زلت أذكر كلماتكِ يوم توجّهت إلى الجبهة.
وقفتِ عند الباب، أخفيتِ خوفكِ خلف إيمانكِ، وقلتِ لي: “روح… الله معك ويحميك من شرّ عدوينك”. لم تكن كلمات عابرة يا أمي.
كانت درعي حين اشتدّ القصف، وصلاتي حين اقترب الخطر، ويدكِ الخفية التي رافقتني من البيت إلى المتراس.
لكن لا تبكِ يا أمي… فقد كان لي موعد مع التاريخ. عندما طوّق الجيش الأسدي السوري الموقع الذي كنت أدافع عنه، وجدت نفسي أمام خيارين: أن أنسحب مع رفاقي لنعود ونطوّق المهاجمين من جهة أخرى، أو أن أبقى وأواجه، وأنا أعرف أن البقاء قد يكون موعدي مع الشهادة.
اخترت أن أبقى. لا لأنني كنت أبحث عن الموت، بل لأنني أردت أن أمنح رفاقي فرصة للحياة والانتصار.
بدأوا ينسحبون، فيما كان المهاجمون يقتربون أكثر فأكثر.
وعندما ضاقت المسافة بيننا، لم أفكر مرتين.
سمعت صوتكِ في داخلي، وشعرت بأن دعواتكِ تحيط بي، فأمسكت بندقيتي وأفرغت ما بقي لديّ من ذخيرة، مكبّدًا المحتل خسائر كبيرة، واستبسلت في الدفاع عن التلة التي كنت عليها.
قاتلت حتى النهاية… ثم سكت صوت البندقية. وكان ذلك موعد انتقالي إلى حضن الآب.
هناك يا أمي، لا رصاص ولا متاريس ولا خوف. هنا الراحة الأبدية، وهنا أدركت أن الموت ليس إلا بابًا صغيرًا نعبر منه من ضيق الأرض إلى رحابة السماء.
فلا تبكِ… أنا لست نادمًا. وقصتي لم تكن الوحيدة.
قصتي تكررت في الجبل، على تلة 888، وفي بحمدون وسوق الغرب، وعلى كل جبهات المنطقة الشرقية. تكررت مع شباب كانوا يعرفون أن خلفهم أهلًا وأمهات وأطفالًا وكنائس وبيوتًا ووطنًا يستحق أن يبقى.
وأنا هنا، يا أمي، لست وحيدًا. أنا مع رفاقي الشهداء. معنا الشيخ بشير، ومعنا قادة الجبهة اللبنانية ورفاق الدرب الذين عبروا قبلنا إلى السماء. نجتمع هنا بلا حواجز ولا متاريس، ونطلّ على لبنان الذي أحببناه أكثر من أعمارنا. ونغتبط حين نرى أبناء القضية في “القوات اللبنانية” يكملون الطريق، ويحملون الأمانة مع القائد الذي وثقنا به وأحببناه، سمير جعجع.
نصلّي من أجله، ونتشفّع لدى الرب كي يحفظه ويقوّيه، حتى يتحقق الحلم الذي من أجله بذلنا شبابنا: الدولة القوية، دولة القانون والازدهار، الدولة التي يعيش فيها أبناؤنا بحرية وكرامة، ولا يحتاجون فيها إلى بندقية ليحموا حقهم في الحياة.
لا تبكِ يا أمي… فنحن نرى من هنا ما قد تحجبه عنكم عتمة الأيام. نرى خيط النور في آخر الليل، وواثقون بأن فجر السيادة سيبزغ، مهما طال انتظاره، وأن لبنان سيرتاح يومًا من الأشرار وأصحاب المشاريع المذهبية والإرهابية، ويعود وطنًا لأبنائه، لا ساحة لمشاريع الآخرين. ونفرح بكل شاب ينضم إلى “القوات”، وبكل رفيق يحمل القضية بأمانة، وبكل إنسان يصلّي من أجلنا ويذكر أسماءنا.
مقاومتكم ونضالكم من أجل لبنان الحرّ تباركهما صلوات قديسي هذه الأرض: شربل والحرديني ورفقا… لأن لبنان الذي تريدونه هو لبنانهم أيضًا؛ لبنان الخير والبركة والمحبة والسلام، لبنان الإنسان الذي خلقه الله حرًّا ويريده أن يعيش حرًّا.
لا تبكِ يا أمي… أنا ما زلت شابًا ولم أتغيّر. الزمن عندكم مرّ، أما أنا فبقيت في العمر الذي غادرتكم فيه. ما زلت ذلك الشاب الذي تعرفينه، وما زلت أعشق لبنان كما كنت أعشقه، لأنه بالنسبة إليّ لم يكن يومًا مجرد قطعة أرض… كان وسيبقى “قطعة سما” ووقف الله على الأرض.
ولو أُتيح لي أن أعيش حياتي مرة أخرى، ولو عاد بي الزمن إلى ذلك الصباح، ووقفتُ من جديد أمام باب بيتنا، وسمعتُ صوتكِ تقولين: “روح… الله معك”، لاخترت الطريق نفسه. ولذهبت من جديد للدفاع عن وطني.
وغدًا، عندما تقفين في قداس شهداء المقاومة اللبنانية في معراب، وبينما ترتفع الصلاة وتصمت الأصوات وتبحث عيناكِ بين صور الشهداء عن وجه ابنكِ، لا تحزني… ارفعي عينيكِ إلى السماء. سأكون هناك. سأطلّ عليكِ من نافذة الأبد، وأقترب منكِ كما كنت أفعل صغيرًا، وأمسح دموعكِ، وأهمس في قلبكِ: لا تبكِ يا أمي… أنا لم أمت.
أنا حيّ في السماء، وحيّ في ذاكرتكِ، وحيّ في رفاقي، وحيّ في كل شاب يحمل القضية التي حملتها. وسأقول لكِ، ولرفاقي، ولكل الشباب الذين يكملون الطريق من بعدنا: نبقى… ونستمر، حتى يبزغ فجر السيادة!


