العميد الركن مروان زاكي (م)
كلما طالب أحد بإلغاء الطائفية السياسية ، خرج من يقول : نتمسّك بالطائف !
لكن أيّ طائف نريد أن نتمسّك به؟
طائف ينقل لبنان إلى الدولة ، أم طائف تحوّل إلى غطاء دائم للمحاصصة؟
قبل الطائف كانت الطائفية موجودة ، وهذا أمر لا يمكن إنكاره ، لكنها لم تكن بهذه القسوة التي نعيشها اليوم . لم تكن كل وظيفة محسوبة لطائفة ، ولا كل منصب حكراً عليها ، ولم يكن المواطن مضطراً إلى البحث عن زعيم طائفته ليحصل على حق من حقوقه .
بعد الطائف ، وبدلاً من أن نسلك الطريق الذي رسمه نحو إلغاء الطائفية السياسية ، حوّلناه إلى نظام للمحاصصة . أصبح لكل طائفة حصتها ، ولكل زعيم حصته من هذه الحصة ، ولكل وظيفة حساباتها الطائفية .
والأغرب أن الذين يرفعون اليوم شعار التمسّك بالطائف يتجاهلون أن الطائف نفسه نصّ على إلغاء الطائفية السياسية ، واقترح إنشاء مجلس للشيوخ كمرحلة انتقالية تطمئن الطوائف ، في مقابل قيام مجلس نواب على أساس وطني غير طائفي .
أما نحن ، فلا نريد حتى مجلس الشيوخ إذا تحوّل إلى باب جديد لإعادة إنتاج الطائفية وتثبيتها إلى ما لا نهاية . لا نريد مسمار جحا جديداً يبقى معلّقاً في جدار الدولة بحجة حماية الطوائف .
لبنان لا يحتاج إلى طائفية أكثر عدلاً ، ولا إلى طائفية أقل ظلماً .
لبنان لا يحتاج إلى الطائفية أصلاً .
نريد دولة تترك المواطن يسلك طريقه كما يريد ، وفق كفاءته وقدرته وإرادته ، من دون أن تسأله عن طائفته ، أو ترسم له سقفاً طائفياً ، أو توجّهه إلى موقع محدد لأنه ينتمي إلى هذه الطائفة أو تلك .
نريد أن يكون الطريق مفتوحاً أمام الجميع ، وأن تكون الدولة هي الحكم ، والكفاءة هي المعيار ، والمواطنة هي الانتماء .
نريد رئيساً ووزيراً ونائباً وقاضياً وضابطاً وموظفاً يُختارون لكفاءتهم ، لا لهوية طوائفهم .
التمسّك بالطائف يجب أن يكون تمسّكاً بما يقود إلى الدولة ، لا بما يكرّس الطائفية . أما تحويله إلى حجة لمنع قيام الدولة المدنية ، فمعناه أن بعض الذين يرفعون شعاره لا يتمسّكون بالطائف ، بل يتمسّكون بالنظام الذي استفادوا منه باسم الطائف .
نريد أن نعبر من دولة الطوائف إلى دولة المواطن ، وأن تكون الدولة هي التي تحمي الجميع ، لا الطوائف التي تحمي نفسها داخل الدولة .
نريد الطائف جسراً نعبره إلى الدولة ، لا خندقاً نبقى فيه أسرى للطائفية .
ولعلّ المشكلة ليست في الطائف ، بل في الذين قرأوا الطائف طائفية ، وحوّلوا طريقه إلى الدولة طريقاً دائماً إلى المحاصصة .


