جورج حايك
منذ التسعينيات أعرف الأب الحبيس الكولومبي الأصل داريو اسكوبار، عندما زرت دير مار أنطونيوس قزحيا، وسألت عنه، فقيل لي إنه يتدرّب على الحياة النسكية في الدير قبل أن يُسمح له بالدخول إلى المحبسة.

لفت نظري هذا الرجل الآتي من أميركا الجنوبية، فسألت عنه أكثر، فتبيّن أنه كان مفتونًا بالتاريخ الروحي الماروني، وخصوصًا وادي قاديشا. تخلّى عن كل شيء وجاء إلى لبنان، وانضم إلى الرهبانية اللبنانية المارونية، من الابتداء حتى إعلان نذوره وعيشه الحياة الديرية، ثم سُمِح له بالتنسّك في دير سيدة حوقا في الوادي المقدّس!
هناك زرته مرات عدة. كانت حياته في هذا الدير، الذي كان مدرسةً يتتلمذ فيها الرهبان والكهنة الموارنة في العصور الوسطى، صعبةً جدًا، لأن الدير يقع في مكان وعر وناءٍ، وسط طبيعة خلابة ورائعة، لكنها بعيدة عن تسهيلات العيش، بل لا يوجد هناك سوى الحيوانات الضارية.
كنت أستغرب قدرة الأب داريو على المكوث في هذا المكان الخالي من مقوّمات الحياة العصرية، وسمعت منه مرةً أنه هنا وجد السعادة وعاش قريبًا من الله مع الأشجار والورود والأزهار. كان يزرع ويأكل، بل يتقاسم غذاءه مع الثعالب والضباع التي كانت تأكل مزروعاته، وهو، رغم ذلك، لا تفارقه البسمة.
كان الحبيس داريو يحبّ الناس، ويعطيهم أحيانًا وقتًا كافيًا ليسألوه ويسترشدوا به، وكان يمازحهم ويكسر جدار الخجل الذي يرتسم على وجوههم أمام ناسك مهيب.
طبعًا، كان الأب داريو ذا شخصية منفتحة نتيجة عقليته الغربية، إلا أنه لم يخرق قانون الاستحباس الماروني، بل التزم به، وخصوصًا بعد انتقاله إلى محبسة مار بولا في قزحيا، إذ كان نادرًا ما يفتح بابه للزوّار. وقد زرته مرةً واحدة منذ عامين، حيث جلسنا معه أنا وعائلتي، وباركنا، وأخذت له هذه الصورة على مذبح المحبسة.
كان متعبًا، إلا أنه، كالعادة، طيبًا، والفرح الإلهي بادٍ على وجهه. وبعد نيل البركة، ودّعناه، ولم نكن نعرف أنه اللقاء الأخير.
اليوم، علمنا أن الحبيس داريو فارق الحياة، بعد حياة زاخرة بالصلاة والتقوى والروحانية العميقة، وسيُدفن مع الرهبان بروح القداسة يوم الأربعاء 20 أيار، في مدافن دير مار أنطونيوس قزحيا.
رحمه الله، وأنعم على الرهبانية برهبان قدّيسين!


