إن البيان الصادر عن منطقة جزين في القوات اللبنانية بشأن انتخاب رئيس جديد لاتحاد بلديات جزين ليس مجرد موقف تنظيمي عابر، بل يحمل دلالات سياسية مهمة في مرحلة تتداخل فيها الحسابات الحزبية مع المصالح الإنمائية والبلدية.
أهمية هذا البيان تكمن في ما يقوله علنًا، وما قد يتركه مفتوحًا في الكواليس السياسية. فهو يعلن أن القوات اللبنانية لا تخوض الاستحقاق بمرشح يحمل اسمها، ويترك لرؤساء البلديات الحليفة والصديقة حرية الاختيار والتصويت لمن يرونه الأنسب.
لكن هل نحن أمام قرار حقيقي بتحييد الاستحقاق عن الصراعات السياسية، أم أمام خطوة تتيح للقوات الحفاظ على دورها وتأثيرها من دون تبنّي مرشح رسمي؟
هذا هو السؤال السياسي الأساسي الذي يستحق التوقف عنده.
أولًا: هل تخلّت القوات اللبنانية عن المعركة أم غيّرت أسلوب إدارتها؟
سياسيًا، لا يمكن اعتبار عدم تقديم مرشح حزبي تراجعًا عن التأثير في الاستحقاق. فالقوات اللبنانية تقول بوضوح إنها لا تخوض الانتخابات بمرشح باسمها، لكنها تملك علاقات مع رؤساء بلديات حليفة وصديقة، وتترك لهم حرية الاختيار.
وهنا تبرز ثلاثة احتمالات سياسية:
الأول: أن القوات تريد فعلًا إعطاء رؤساء البلديات حرية القرار، انطلاقًا من أن رئاسة الاتحاد مسؤولية إنمائية وليست موقعًا حزبيًا.
الثاني: أنها تريد تجنّب الدخول في مواجهة مباشرة مع القوى والشخصيات الأخرى، خصوصًا بعد التجاذبات التي رافقت هذا الاستحقاق.
الثالث: أنها تفضّل عدم تبنّي مرشح رسمي، مع الاحتفاظ بعلاقاتها وقدرتها على التأثير في المشاورات والنتائج.
لكن الأهم هو ما سيحدث بعد صدور البيان: هل ستنجح القوى المحلية في التوصل إلى تفاهم واسع، أم ستعود المنافسة إلى منطق الاصطفافات والتحالفات؟
ماذا يعني ذلك بالنسبة إلى مدينة جزين؟
هنا تكمن إحدى أهم النقاط السياسية.
إن رئاسة اتحاد بلديات جزين ليست مجرد موقع إداري، بل مسؤولية عن تنسيق المشاريع الإنمائية والخدماتية بين بلدات القضاء، وعن السعي إلى تأمين التمويل وتحسين البنى التحتية وتعزيز التعاون البلدي.
وقد برز في النقاش العام موقف يدعو إلى عدم إبعاد مدينة جزين عن رئاسة الاتحاد، مع التأكيد أن المطلوب ليس الهيمنة على سائر البلديات، بل إقامة شراكة إنمائية عادلة بينها.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: من سينتخب رئيسًا للاتحاد؟ بل: هل سيكون الرئيس قادرًا على جمع جزين وبلداتها حول مشروع واحد؟
لا يجوز أن تتحول الانتخابات إلى معركة لإثبات النفوذ الحزبي، كما لا يجوز أن تتحول التسويات إلى وسيلة لإقصاء بلدة أو إضعاف أخرى.
فإذا كان المرشح يمتلك الكفاءة والقدرة على الإنجاز، فيجب أن تكون له فرصة حقيقية، بصرف النظر عن انتمائه السياسي.
هل يكشف البيان عن تبدّل في موازين القوى؟
ليس بالضرورة، لكن البيان يضع مسؤولية أكبر على عاتق رؤساء البلديات أنفسهم.
فعندما تعلن قوة سياسية أنها لا تتبنّى مرشحًا رسميًا، وتترك حرية الاختيار لحلفائها، تصبح الخيارات الفردية والجماعية لرؤساء البلديات أكثر أهمية في تحديد النتيجة.
وهذا يعني أن على كل رئيس بلدية أن يوازن بين علاقاته السياسية ومصلحة بلدته، وأن يقرر ما إذا كان سيصوّت وفق التزاماته وتحالفاته، أم وفق البرنامج الإنمائي للمرشح.
والامتحان هنا ليس للقوات اللبنانية وحدها، بل لجميع القوى السياسية والبلديات المعنية.
فهل تستطيع القوى المحلية احترام حرية القرار البلدي فعلًا، أم ستبقى الحسابات السياسية حاضرة خلف كل صوت؟
ما الذي يجب أن ينتظره أهالي جزين؟
على الأهالي ألّا يكتفوا بقراءة البيانات السياسية، بل أن يراقبوا النتائج العملية لهذا الاستحقاق.
المطلوب رئيس اتحاد يمتلك رؤية واضحة، وبرنامجًا قابلًا للتنفيذ، وقدرة على التواصل مع الوزارات والإدارات والمؤسسات المانحة، واستعدادًا للتعامل مع جميع البلديات من دون تمييز.
كما أن المطلوب شفافية في إدارة المشاريع والأموال، ومحاسبة على النتائج، وعدم تحويل الاتحاد إلى منصة لخدمة أي حزب أو مجموعة أو طموح شخصي.
فجزين لا تحتاج إلى رئيس اتحاد يربح معركة سياسية ويترك الإنماء خاسرًا، بل إلى رئيس يستطيع تحويل موقعه إلى فرصة حقيقية لخدمة المنطقة بأكملها.


