درزيّ عروبيّ مَمْحوّ من الوجود…
أم درزيّ عائش بغطاء إسرائيلي؟
كثر الكلام في الآونة الأخيرة حول ما يجري في السويداء ، وكثرت التحليلات والإدانات والاتهامات ، بين موقف الشيخ حكمت الهجري ، ودور إسرائيل ، وما يقال عن الاستقلال والانفصال ، وصولاً إلى مسألة العروبة والهوية .
وفي زحمة هذا الأخذ والرد ، انصرف معظم الكلام إلى إدانة المواقف والنتائج ، بينما تراجع إلى الخلف أصل المشكلة والظروف التي أوصلت المشهد إلى ما هو عليه .
وهنا تكمن خطورة التعامل مع هذه القضية ، إذ لا يكفي أن ندين النتيجة وننسى الأسباب التي صنعتها .
نحن نتمسك بعروبتنا ، ونرفض الارتهان لإسرائيل أو اتخاذها غطاءً أو بديلاً عن الوطن . لكن تمسّكنا بالعروبة لا ينبغي أن يحجب عنا حقيقة مؤلمة . حين يشعر الإنسان أن دولته لم تعد تحميه ، بل تنقض عليه لمسحه من الوجود ، يبدأ بالبحث عن الحماية في مكان آخر .
وهذا لا يبرر الارتماء في أحضان الخارج ، لكنه يفسّر الطريق الذي أوصل إليه .
ولم تدخل إسرائيل إلى هذا المشهد من فراغ . فقد وجدت في باب القربى الدرزية مدخلاً إلى السويداء ، فهناك روابط عائلية وتاريخية ودينية بين دروز إسرائيل ودروز سوريا ، جعلت التعاطف مع أهل السويداء ، في لحظات الخوف والأزمة ، قابلاً للتحول من تضامن إنساني إلى تدخل سياسي وأمني .
وهنا تكمن المفارقة . ما بدأ من باب القربى يمكن أن يتحول ، عندما تغيب الدولة ، إلى باب نفوذ .
لقد اعتدنا في عالمنا العربي أن نواجه نتائج الأزمات بعد وقوعها ، فنبحث عن الخائن والعميل والمتآمر ، ونرفع شعارات الإدانة ، بدلاً من معالجة الأسباب التي جعلت التدخل الخارجي ممكناً .
لذلك فإن اختزال المشهد في شخص أو موقف أو تصريح ، وتحويله إلى معركة تخوين ، لن يعالج المشكلة . قد يريحنا سياسياً ، لكنه لا يمنع تكرارها .
العروبة التي نتمسك بها ليست شعاراً نستخدمه لإدانة الآخرين ، بل انتماء يجب أن يشعر الإنسان معه أن وطنه هو ملاذه الأول والأخير .
ولا نريد للدرزي أن يكون أمام خيارين أحلاهما أمرّ . إما درزيّاً عروبيّاً مَمْحوّاً من الوجود ، وإما درزيّاً يعيش بغطاء إسرائيلي ، وهنا فقط يكمن الخيار المتاح .
نريده درزياً عربياً ، محفوظ الكرامة، آمناً في وطنه ، متمسكاً بهويته ، وتحميه دولة لا تجعله مضطراً إلى البحث عن حماية خارج حدودها .
وهنا تبدأ مسؤولية الدولة السورية نفسها .
إذا أعادت الدولة حساباتها ، ونظرت إلى أهل السويداء لا باعتبارهم خصوماً أو ملفاً أمنياً ، بل باعتبارهم مواطنين لهم حقوقهم وكرامتهم ومخاوفهم ، وتعاملت معهم كدولة مع شعبها ، لا كسلطة مع رعاياها ، فإن كثيراً من المعادلة سيتغير .
وعندما تتغير علاقة الدولة بأهل السويداء ، وتتبدل أسباب الخوف وانعدام الثقة ، يمكن أيضاً للهجري أن يعيد النظر في موقفه ، كما يمكن لعامة الناس أن تعيد حساباتها وتتخذ موقفاً مختلفاً . فالمواقف السياسية ليست دائماً قدراً نهائياً ، كثير منها يتغير عندما تتغير الوقائع التي قامت عليها .
إذا تغيّرت الدولة ، يمكن أن تتغير مواقف الهجري وأهل السويداء . وإذا عادت الدولة لتكون مصدر الأمان ، تتراجع الحاجة إلى أي غطاء خارجي .
وهنا تكون المعالجة الحقيقية . أن تستعيد الدولة ثقة مواطنيها ، وأن يستعيد المواطن ثقته بدولته .
لذلك فإن موقفنا يجب أن يكون واضحاً . نرفض أي ارتهان لإسرائيل ، كما نرفض كل سياسة تدفع الناس إلى الارتهان بها .
لكننا ندين النتيجة ، نعم ، لكن علينا أن ندين أيضاً الأسباب التي أوصلت إليها .
فالسويداء لا تحتاج إلى مزيد من الاتهامات بقدر ما تحتاج إلى دولة تعيد بناء الثقة مع شعبها .
وحين تتغير طريقة الدولة في التعامل مع أهلها ، يتغير الكثير في موقف أهلها . وعندها يصبح الوطن أقوى من أي غطاء خارجي ، وتصبح العروبة ممارسةً تحمي الإنسان ، لا شعاراً يُرفع في وجهه .


