البلد بحاجة الى من يصارح اللبنانيين لفك بعض الرموز، ذلك أن “الغموض البناء” قاتل ويزيد من الانقسام بين الثنائي واللبنانيين. وعليه من يلاقي السفير ميشال عيسى في مواقفه وهو لم يتجاوز سؤالا محرجا، وقد يرد عليه احيانا بمثل لبناني أو ببسمة.
ليست المرّة الأولى التي يظهر فيها السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى بعد إطلالته أمس من دار الفتوى، واضحاً وصريحاً. فهو ورغم معرفته الواسعة بكل ما يجري، رفض إعطاء أي توصيف لما في تلال “علي الطاهر”، لكنه كان واضحاً عند صعوبة “ترجمة ما يُرسم على الورق على الأرض”، مطالباً “حزب الله” بالمبادرة لتسهيل المفاوضات، للتعاطي معه بطريقة مختلفة، في ظل استحالة أي لقاء “على فنجان قهوة”. وعليه، من يلاقي السفير عيسى في صراحته؟
على مرّ العقود السابقة، كان اللبنانيون يختلفون احياناً على تفسير أي تصريح للسفير الأميركي المعتمد في لبنان، لا بل فقد أمعن كثر في ترجمة ذلك بتفسيرات متناقضة لبعض العبارات احياناً. ولمن يمتلك ذاكرة حيّة، يمكنه العودة إلى بعض ردّات الفعل التي كانت تبرّر له ما يقوله بـ “دفاع أعمى”، ويصرّ آخرون على التنويه بـ “المؤامرة تهكماً وهجوماً” لا يخضع لأي نقاش. وقد تعددت التجارب عند التذكير ببعض المحطات الدقيقة والحساسة، قادت اللبنانيين إلى انقسام حاد في لحظات حرجة، فكانت تُترجم بدقة الفرز الواقع بين اللبنانيين، والذي وضعهم على خطين متوازيين لا يلتقيان.
على هذه الخلفيات، يتطلّع المراقبون إلى مواقف وتصريحات السفير الأميركي – اللبناني الأصل ميشال عيسى بكثير من الارتياح، لإسقاط تلك النظريات السابقة، وجعلها من الماضي القريب والبعيد. فلا ترى فيها أي داعٍ للاختلاف أو تفسير ما أراده على عكس ما أراد منه، او حتى ما نوى إليه. فهو كان وما زال حتى تصريحه قبل أيام من “منبر عين التينة”، وأمس من دار الفتوى بعد لقائه مفتي الجمهورية الدكتور عبد اللطيف دريان، مصراً على الكشف عن مواقف بلاده من دون حرج او أي زلّة لسان. متحدثاً بطلاقة عمّا يحاكي عقول اللبنانيين، اياً كانت ردّات فعلهم. وهو لم يسمح بأي تفسير يمكن أن يثير الغموض او التضليل، عند إصراره على الحديث بلهجته اللبنانية الواضحة، دون أن يُستدرج إلى ما يُحرجه أو يُخرجه عن طوره، تارة بعبارة مختصرة أو بمثل لبناني رائج، وربما استعاض عن كل ذلك أحياناً ببسمة خفيفة كافية للردّ على ما أراد سائله.
وبالعودة إلى تصريح عيسى أمس من دار الفتوى، يمكن للعارفين بالكثير من دقائق الأمور وما يجري في كواليس الاتصالات والاقتراحات المتبادلة، أن يتوقفوا أمام بعض العناوين الأساسية التي أشار إليها للتعليق والتوضيح وتصحيح بعض المفاهيم الضائعة، ولا سيما تلك التي شكّلت مثالاً على معرفته العميقة بأشكال وأصناف المآزق التي يعيشها أهل الحكم والحكومة، ومعهم المعترضون على سير المفاوضات عبر “مسار واشنطن – روما”، المصرّون على إفشالها، في انتظار أن يقلع مسار “إسلام آباد” المتعثر مهما طالت الأزمة.
وعليه، يرى العارفون بحقيقة بعض ما لا يزال غامضاً على كثر، أنّ إشارته إلى كرهه لـ “أيلول الأسود” مردّه إلى تجاوز تلك الأحداث في الاردن وانعكاساتها على لبنان. وإنّ وقوف بلاده “إلى جانب لبنان وتحقيق سيادته” يشير إلى مضي واشنطن بدورها الراعي والمسهّل لمفاوضات واشنطن وروما، وإن تحدث عن توافقه مع مفتى الجمهورية لم يحمل أي مفاجأة، مما يستدعي تفصيلاً لعناوين أخرى جاءت في تصريحه ، ومنها:
- إنّ قوله بأن لا “علم لديه” بما سيحدث في “علي الطاهر” دقيق، ودعوته للانتظار والتروي مردّه إلى عدم وجود أي طرح جدّي يقارب ما يجري فيها، في ظلّ غياب أي معلومات عمّا فيها، لدى أكثر من مسؤول، ولا سيما عن وجود خبراء إيرانيين وأسلحة متطورة. وقد نفى كبار المعنيين بالشؤون العسكرية، وجود أي “اقتراح جزئي” لتسليمها إلى الجيش، لأنّه لا يفضّل “الخطوات الصغيرة”، ليقال استنتاجاً من قبل أصحاب “النوايا الخبيثة” بأنّها ستنتقل لاحقاً إلى العدو لأنّ الجيش لا يمكنه حمايتها.
-ظهر كلامه دقيقاً عند حديثه عن “المناطق النموذجية” و”صعوبة ترجمة ما يُكتب على الورق على الأرض”، بالنظر إلى تعدّد الاقتراحات بشأنها دون حسم أي منها. وما كان ناقصاً أن يكشف بأنّها لم تكن اقتراحاً “اميركياً” ولا “إسرائيلياً” قاد إلى اتهام لبنان بـ “التبعية” لهما في تنفيذها، لأنّها كانت قديماً وما زالت “اقتراحاً لبنانياً” مع تمسكه بتطبيقها على نطاق واسع. - إن إشارته إلى ضرورة التخلّي عن سلاح “حزب الله”، مردّه إلى عدم وجود أي مبادرة إقليمية او دولية للاحتفاظ بأي “سلاح غير شرعي”، وهو أمر دفع وما زال إلى نيل إسرائيل الضمانات الكافية للمضي في حربها الانتقائية التدميرية دون أي رادع، فيما يواجهها اللبنانيون المنكوبون بالأمنيات والشعارات والنظريات الفارغة، من أي قوة كافية لاستعادة توازن مفقود وأي ردع موهوم.
- إنّ حديثه عن عدم وجود أي تواصل مع “حزب الله” ولو “على فنجان قهوة”، لا يأتي بأي سرّ جديد. فالتصنيف الأميركي للحزب لم يعد يفصل بين جناح سياسي أو عسكري بعد اعتباره فصيلاً من “فيلق القدس” يعمل لصالح الحرس الثوري. وهي نظرية اقتربت بأن تكون ثابتة لبنانياً وعربياً وإقليمياً ودولياً، وقد ترجمتها الحكومة اللبنانية قبل اليوم بقرار فصل الجناح العسكري المحظور عن الأجنحة الأخرى قبل عام.
وختاماً، قد لا يتسع المقال للمقارنة بين صراحة السفير عيسى وضرورة ملاقاته بطريقة ما، بعدما تعدّدت التجارب. ليبقى الأهم في وجود من يصارح اللبنانيين بخفايا الكثير مما هو مطروح على طاولة المفاوضات وخارجها. وطالما انّ هناك من يعتقد انّ “الغموض البنّاء” مفيد في هذه المرحلة، ستتوالى التفسيرات المتناقضة ويتعمّق الانقسام بين “الثنائي الشيعي” ومن يدور في فلكه، وأكثرية اللبنانيين، إلى أن يظهر من يلاقي عيسى لسد المنافذ إلى الفتنة والتحريض المذهبي، ليتجاوز البلد أخطر المراحل التي يمرّ فيها. ونقطة عالسطر.


