إذا تأمّلنا قليلاً في تاريخنا المسيحي الماروني، نكتشف مجتمعاً رهبانياً نسكياً، عاش على الدوام في بيئة زراعية تحتضن الأديار، وتجاورها المحابس التي أقام فيها الحبساء، أولئك الذين وثقنا بروحانيتهم، بل نظرنا إليهم كقديسين، منصرفين إلى العبادة الحقّة في أجواء من الخشوع والتقوى والروحانية العميقة التي تصل الأرض بالسماء.
سار شربل في حياته النسكية، وتقشّفه، وإماتاته، على خطى النساك الذين سبقوه في كنيسة المسيح الشرقية، أولئك الذين مهّدوا له الطريق باختباراتهم المنقولة والمكتوبة، وفي طليعتهم مار أنطونيوس الكبير، أب الرهبان، ومار يعقوب النصيبيني، وكثيرون من النسّاك الذين ملأوا المغاور والصوامع. وقد مضى بأمانة كاملة في هذا الدرب، مقتفياً آثار الرب يسوع المسيح وقديسي الكنيسة، حتى بلغ ما بلغوه، وأضاف بدوره صفحة مشرقة إلى تراثهم الروحي العريق.
لكننا نحبّ شربل لأنه الأقرب إلينا في المسافتين التاريخية والجغرافية، والأشدّ شبهاً بنا، والأكثر ارتباطاً بجذورنا الراسخة في هذا الجبل اللبناني المطلّ على شرقٍ متعدّد المذاهب والتيارات الفكرية.
إن قديس عنايا يرمز إلى شخصيتنا الإيمانية والروحية والتاريخية، تلك الشخصية التي وُلدت ونمت وترعرعت في الوديان والجبال. إنه يرمز إلى جذورنا النقيّة، في زمنٍ يطغى فيه سلطان المادة، وتتمدد فيه النزعات الوجودية الملحدة، وتغري الإنسان بعبادة ذاته. لذلك يجذبنا شربل بصفاء روحه، وسلامه الداخلي، ونقائه العميق، لأننا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، في أمسّ الحاجة إلى فضائله وقداسته.
ونحن، في جذورنا، شعب رهباني، وشخصية القديس شربل كامنة في أعماق كل واحد منا، حتى وإن ابتعدنا أحياناً عن القيم الإنجيلية. فما زلنا نحتفظ في داخلنا بشوقٍ صامت إلى الله، وبنزعة صوفية تتوق إلى القداسة، في مجتمع تستبدّ به مغريات الطبيعة وتأليه الذات.
إنها صوفية لا تفرض على الإنسان أن يعيش في محبسة شربل، ولا أن يعتزل العالم، بل تعلن أن حياة الروح هي الشرط الأول لكل عظمة خلاّقة، وأن الإنسان لا يبلغ ملء إنسانيته إلا عندما يفسح المجال لله ليعمل في أعماقه.
لذلك نصلّي إلى القديس شربل، لا ليصنع لنا العجائب فحسب، بل ليقودنا إلى اختبار الله كما اختبره هو، وأن يساعدنا على أن نسكر بالله، فنحبّه كما أحبّه شربل، ونعرفه عن كثب، كما عرفه واتّحد به، حتى صار وجهه مرآةً لنور السماء، وصارت حياته إنجيلاً حيّاً يقرأه العالم إلى اليوم.


