عندما يصبح الفساد أكبر من الدولة، لا يعود مجرّد انحراف في أداء مسؤول أو مؤسسة، بل يتحوّل إلى منظومة متكاملة لها رجالها وحُماتها ومنابرها. عندها تُستباح القوانين، ويصبح الصمت شراكة، فيما يتولّى بعض الإعلام تزيين المشهد وإقناع الناس بأن الفساد ظاهرة عالمية لا تستحق كل هذا الغضب.
صحيح أن دول العالم تواجه أشكالًا متفاوتة من الفساد، لكن الفارق كبير بين دولة تلاحق الفاسد وتحاسبه، ودولة يلاحق فيها الفاسد من يكشفه، ثم يظهر على الشاشات ليعطي الناس دروسًا في النزاهة والوطنية.
والأشدّ مرارة أن بعض الذين يرفعون أصواتهم في مواجهة الفساد لم تكن مسيراتهم المهنية بعيدة عن أبوابه. يهاجمون الفاسدين في نشراتهم ومقالاتهم، ثم يجالسونهم في الصالونات، ويتقاطعون معهم عند المصالح، ويمنحونهم المساحات لتلميع صورتهم وإعادة إنتاج نفوذهم. وهكذا، لم يعد الإعلام في بعض مواقعه مرآةً تكشف عيوب السلطة، بل أصبح جزءًا من زينتها؛ يحاكم الفساد نهارًا ويجالسه ليلًا.
ولم تصل المهنة إلى هذا الواقع مصادفة. فقد دخل إلى مؤسساتها، على امتداد سنوات، من لا يملك المؤهلات ولا الموهبة ولا الثقافة المهنية. انتقل بعضهم من مواقع خدماتية وإدارية بعيدة عن التحرير إلى غرف الأخبار، قبل أن يُكتشف فجأة أنه «موهبة صحافية» تستحق الترقية والواجهة ومواقع القرار.
لم تكن الكفاءة دائمًا جواز العبور، ولا الخبرة معيار التقدّم؛ إذ كان يكفي في كثير من الأحيان اتصال هاتفي من مسؤول سياسي أو حزبي كي يتحوّل صاحبه إلى إعلامي، ثم إلى رئيس قسم أو مدير يقرّر مصير الصحافيين ويقيّم قدراتهم. كأن الهاتف السياسي أصبح شهادة في الصحافة، والقرب من أصحاب النفوذ أهم من المعرفة والجرأة والأمانة.
في المقابل، بقي كثير من أصحاب الكفاءة على الهامش؛ لأنهم لم يجيدوا فن الانحناء، ولم يملكوا أرقام النافذين، ولم يقبلوا أن تتحوّل أقلامهم إلى خدمة مدفوعة أو أصواتهم إلى أبواق. وبينما صعد أهل الولاء، حُوصرت المواهب الحقيقية أو أُبعدت عن الواجهة، فخسر الإعلام جزءًا كبيرًا من صدقيته.
ثم يخرج المسؤولون السياسيون والحزبيون للشكوى من تراجع المستوى الإعلامي، وكأن أشباحًا هي التي اختارت القيادات وعيّنت الفاشلين. يتبرّأ صانعو هذا الواقع من نتائجه، وينتقدون إعلامًا هم الذين اخترقوا مؤسساته وربطوا التقدّم فيه بالولاء بدل الاستحقاق.
جرّبوا أن تسألوا القارئ اللبناني: من هو الصحافي اللبناني الذي تنتظر مقالته وتثق برأيه؟ قد يتردّد كثيرون قبل الإجابة، لا لأن لبنان يفتقر إلى الأقلام المميّزة، بل لأن الضجيج حاصرها، والمحسوبيات همّشتها، والمنابر قدّمت أهل العلاقات على أهل الكفاءة.
ومع ذلك، لا يجوز التعميم؛ ففي لبنان صحافيون شرفاء ما زالوا يدفعون ثمن استقلالهم، ومؤسسات تحاول حماية مهنيتها وسط ظروف قاسية. المطلوب ليس إدانة الإعلام كله، بل تحرير المهنة ممن اختطفوها، واستعادة المعايير التي تجعل الصحافي صاحب رسالة لا طالب حظوة.
فالفساد لا ينتصر فقط عندما يسرق المال العام، بل عندما يشتري الكلمة، ويروّض الشاشة، ويُسكت السؤال. والإعلام النزيه لا يكتفي بإدانة الفساد، بل يبدأ بتنظيف بيته منه.
ولأن الكلام العام لا يكفي دائمًا، ستكون لنا عودة قريبة في مقالة جديدة إلى وقائع محدّدة وأسماء صنعت هذا المشهد أو استفادت منه… فالمرحلة المقبلة ستكون للأسماء، لا للتلميحات.


