هذا المقال ليس انتقاداً ولا اتهاماً مسبقاً لأي جهة ، بل هو قراءة سياسية تستند إلى قاعدة ثابتة في العلاقات الدولية ، وهي أن الدول لا تبني سياساتها على العواطف أو الشعارات ، بل على المصالح . فالتحالفات تتبدل ، والخصومات قد تنتهي ، إذا اقتضت المصالح ذلك .
فكما ارتبطت البندقية السورية ، خلال مرحلة الوجود السوري في لبنان ، ابان حكم الرئيس حافظ الاسد بحسابات إقليمية ودولية ، قد تجد نفسها اليوم مرتبطة بمعادلات جديدة تفرضها المصالح التركية والأميركية ، إذا ما استمر التقاطع بين الطرفين .
وانطلاقاً من هذه القاعدة ، هل يمكن أن تصبح البندقية السورية ، جزءاً من ترتيبات إقليمية ودولية تخدم مصالح واشنطن في المنطقة ، بما ينسجم أيضاً مع حسابات حلفائها؟
لا يهدف هذا الطرح إلى إصدار حكم مسبق ، بل إلى قراءة مسار سياسي قد تؤكده الوقائع أو تنفيه التطورات المقبلة .
لقد شهد العالم خلال العقود الماضية تحولات كبرى في مواقف دول وحركات كانت تُصنّف في معسكرات متقابلة ، ثم وجدت نفسها تتقاطع أو تتحالف عندما تغيّرت المصالح . وهذا ليس استثناءً ، بل هو من طبيعة السياسة الدولية ، حيث تبقى المصالح العامل الأكثر تأثيراً في رسم السياسات وتحديد التحالفات .
فالعبرة ليست في الخطابات ولا في الشعارات ، بل في الأفعال . فكلما ارتبط قرار استخدام القوة بحسابات خارجية أكثر من ارتباطه بالمصلحة الوطنية ، برزت تساؤلات مشروعة حول طبيعة الدور الذي تؤديه تلك القوة ، والجهة التي تستفيد من حركتها في نهاية المطاف .
ولا يتعلق الأمر بالرئيس دونالد ترامب كشخص ، بل بالسياسة الأمريكية ككل ، أياً كان من يقودها . فالأشخاص يتغيرون ، أما المصالح الاستراتيجية للدول الكبرى تبقى أكثر ثباتاً من الإدارات المتعاقبة .
إن البندقية الوطنية تكتسب شرعيتها من استقلال قرارها ، ومن توجيهها لحماية الوطن والدفاع عن سيادته وخدمة مصالحه ، لا من انسجامها مع أجندات الآخرين . وكلما ازداد استقلال القرار ، ازدادت ثقة الناس بأن السلاح يؤدي وظيفة وطنية ، لا وظيفة تفرضها توازنات إقليمية أو تفاهمات دولية .
لكن ، هل ستبقى البندقية السورية بندقية وطنية مرتبطة بقرار مستقل ، أم أن تطورات المرحلة وما قد ينشأ من تفاهمات دولية وإقليمية قد تجعلها ، جزءاً من استراتيجية تخدم مصالح قوى كبرى؟
لا يستطيع أحد الجزم بالإجابة اليوم ، لكن السياسة تُقرأ من خلال الوقائع لا النوايا ، ومن خلال الأفعال لا التصريحات . فإذا أثبتت الأحداث أن القرار السوري بقي مستقلاً ، سقطت هذه الفرضية . أما إذا كشفت الوقائع أن استخدام القوة بات يتقاطع مع أولويات خارجية محددة ، فإن ذلك سيصبح حقيقة سياسية تفرض نفسها .
فالسياسة لا تُقاس بالأقوال ، بل بالمصالح ، والتاريخ هو الحكم الأخير .
للبحث صلة.


