منذ طفولته، اعتاد يوسف مخلوف، الذي سيعرفه العالم لاحقاً باسم القديس شربل، أن يسجد أمام مذبح الكنيسة أو أمام صورة مقدسة في المغارة.
كان فتىً صغيراً، لكنه أدرك باكراً أن السجود ليس مجرد حركة جسدية، بل فعل إيمان وعبادة أمام الله، وأمام يسوع المسيح، وأمام سرّ القربان الأقدس. كان يثني ركبتيه بخشوع، والركوع في تقليد الكتاب المقدس يرمز إلى انحناء قوة الإنسان أمام الله الحي، والاعتراف بأن كل ما نحن عليه، وكل ما نملكه، هو عطية منه. فالركبة، في المفهوم الكتابي، ليست مجرد مفصل في الجسد، بل رمز للقوة والإرادة؛ وعندما تنحني لله، فإن الإنسان يعلن أن لا قوة تعلو على قوته.
وحين أصبح شربل راهباً، ثم حبيساً في محبسة القديسين بطرس وبولس في عنايا، رافقته هذه العادة المقدسة، بل ازدادت عمقاً واتساعاً. فأطال السجود حتى أصبح جزءاً من نسكه اليومي، لأن هذه الوضعية في الصلاة لم تكن بالنسبة إليه مجرد هيئة جسدية، بل لحظة يهدأ فيها الجسد والعقل معاً، لتبقى الروح وحدها يقظة في حضرة الله.
ولم يكن سجود القديس شربل مجرد انحناءة صامتة، بل صلاة ناطقة بلا كلمات. كان يخفض رأسه نحو الأرض، فيتغيّر إيقاع تنفسه، ويغمر الهدوء جهازه العصبي، فتسكن الأفكار، ويزداد تركيزه، وتتسع في داخله مساحة السلام.
وكأن الجسد نفسه يدخل في حالة عبادة، فيتحد مع القلب والعقل في صلاة واحدة. ويكفي، أيها القارئ العزيز، أن تركع بتواضع ومحبة أمام أي مذبح في كنيسة، حتى تختبر شيئاً من هذا السلام العميق، حيث يلتقي الخضوع الروحي براحة النفس وسكينة الجسد، فتشعر بأنك ألقيت أثقالك عند قدمي الله. غير أن سجود القديس شربل على حصير القصب لم يكن رياضة جسدية، ولا مجرد تدريب روحي، بل كان ترويضاً لكيانه بأسره: للجسد، والفكر، والإرادة، والقلب. ولعل الراهب الشاب استخدم السجود، في بدايات حياته الرهبانية، تدريباً على الثبات في الصلاة، حتى لا يبقى أسير التعب أو التشتت.
لكنه، مع مرور السنين، اكتشف فيه معنى أعمق بكثير. لقد أصبح السجود عنده نوعاً من إماتة الجسد، لا ازدراءً له، بل تحريراً للإرادة من سلطان الراحة، وللقلب من أسر الحواس. وكلما نما شربل في الحياة الروحية، ازداد إدراكه لسرّ السجود، حتى غدا، في المحبسة، فعل تواضع كامل، يضع فيه ذاته على التراب أمام عظمة الله، ويدخل في صمت داخلي عميق، تخفت فيه حركة الجسد والأفكار، ليصبح القلب أكثر حضوراً أمام خالقه.
وهكذا، تحوّل سجوده إلى مشاركة صامتة في آلام المسيح، يحتمل فيها الوجع بإرادته، لا حباً بالألم، بل حباً بالمصلوب. وكان الألم، في نظره، لغة أخرى للمحبة، وطريقاً إلى الاتحاد بالله. وتشير صلاة التساعية الرسمية في دير عنايا إلى هذه الصورة المهيبة، إذ تصف القديس شربل بأنه كان «راكعاً على حصير القصب، صائماً، متقشفاً، ومستغرقاً في مناجاة الله»، ما يؤكد أن الركوع الطويل على حصير القصب كان جزءاً أصيلاً من حياته النسكية.
لكن الأدق روحياً أن نقول إن شربل لم يكن يسجد ثلاث ساعات ليمتحن قوة جسده، بل لينطلق بقلبه نحو الله. كان يسجد منخطفاً في حضرة الرب، ليحرّر قلبه من سلطان الجسد، ويجعل الإنسان الداخلي أكثر إشراقاً من الإنسان الخارجي.
فالسجود عند القديس شربل لم يكن استعراضاً للتقشف، ولا تمجيداً للألم، بل انتقالاً من الوقوف أمام الله إلى السقوط في حضرته حباً وعشقاً وتسليماً. وكأن جسده كلّه كان يردد ما عجز اللسان عن قوله: “يا رب، أنا لا شيء أمامك… لكنني كلّي لك.”


