بقلم : جورج حايك
رغم كثرة الأبحاث التاريخية التي تناولت حياة القديسة مارينا، لم يثبت أحدٌ بصورة قاطعة المكان الذي ترهّبت وعاشت فيه. فجميع المصادر تكاد تُجمع على قصتها الشهيرة، حين أخفت هويتها مرتديةً زيّ الرجال، فعاشت بين الرهبان على أنها راهب، وتعرّضت لأقسى أنواع الظلم والافتراء، ولم تُكشف حقيقتها إلا بعد انتقالها إلى الحياة الأبدية.
أمّا المكان الذي عاشت فيه، فلا يزال موضع جدل تاريخي. فهناك روايات متعدّدة، من دون دليل حاسم يؤكّد أياً منها. فمنهم من ينسبها إلى بيثينيا، وآخرون إلى الإسكندرية، أو برية الأسقيط، أو تراقيا، أو البنطس، أو وادي قنّوبين في لبنان، وغيرها من المناطق التي ارتبطت بتقاليد محلية متوارثة أكثر مما ارتبطت بوثائق تاريخية ثابتة.
وتشير بعض الروايات إلى أن رفاتها بقي في القسطنطينية حتى القرن الثالث عشر، قبل أن ينقله الصليبيون إلى البندقية نحو سنة 1230. فيما تذكر روايات أخرى أن رفاتها عُرف في القدس.
وفي التقليد الماروني، يُروى أن ذراعاً للقديسة مارينا، يُرجّح أنها اليسرى، بقي محفوظاً في دير قنّوبين حتى زمن البطريرك إسطفان الدويهي (1670–1704)، ثم اختفى. كما تذكر شهادات أخرى أن الصليبيين حملوا هذا الذراع معهم إلى منطقة القلمون على الساحل اللبناني أثناء تراجعهم في أواخر القرن الثالث عشر، قبل أن ينتهي به المطاف، بحسب بعض الروايات، في باريس.
وللقديسة مارينا إكرام خاص في لبنان، ولا سيما بين الموارنة وأبناء الكورة الأرثوذكسية. فالتراث الماروني يقول إنها ترهّبت في دير قنّوبين، فيما يربطها التقليد الأرثوذكسي بدير مار يعقوب. كذلك تُنسب إليها مغارة قريبة من دير قنّوبين، في الوادي المقدّس، حيث دُفن البطاركة الموارنة بين القرنين الخامس عشر والتاسع عشر.
كما يُشار إلى مغارة أخرى تقع على بُعد نحو كيلومتر ونصف شمالي بلدة القلمون، بالقرب من طرابلس، كانت مزدانة قديماً برسوم الفريسكات، وشكّلت محجّة للمؤمنين، ولا سيما النساء اللواتي كنّ يقصدنها طلباً للشفاء، ويشربن من الماء المتدفّق من جدرانها.
ويذكر التراث المسيحي أيضاً أن القديسة مارينا هي واحدة من عشر قديسات تنسّكن متخفّيات بزيّ الرجال، في شهادة نادرة على قوة الإيمان والتجرّد الكامل لله.
ومهما اختلفت الروايات حول المكان الذي عاشت فيه، فإنها تتّفق جميعها على حقيقة واحدة: أن مارينا تعرّضت لظلمٍ كبير، وحملت الاتهامات الباطلة بصمتٍ وصبرٍ واتكالٍ كامل على الله، ولم تدافع عن نفسها، لأن الحقيقة كانت بالنسبة إليها أقوى من أي افتراء.
إنها تعلّمنا أن الكذب قد ينتصر زمناً، لكنه لا ينتصر إلى الأبد؛ وأن الحقيقة قد تتأخر، لكنها لا تموت، بل تظهر في الوقت الذي يريده الله، فتفضح الظلم، وتبرّئ البريء، وتعيد الحق إلى أصحابه.
يا قديسة مارينا، يا مثال الصبر والوداعة والثقة بالله، صلّي لأجلنا. آمين.


