العميد الركن مروان زاكي(م)
تُقاس هيبة الدولة بهيبة مؤسساتها ، ويُقاس احترام المؤسسات بطريقة الكلام الذي يصدر عنها . وإذا كان مجلس النواب هو المكان الذي تُشرَّع فيه القوانين ، فمن الطبيعي أن يكون منبراً للحوار الراقي ، لا ساحةً للشتائم والانفعالات .
لكن ما نراه اليوم في بعض الجلسات النيابية يدعو إلى القلق . فكلمات نابية ، واتهامات شخصية ، سباب وصراخ يطغى على النقاش ، في مشهد لا ينسجم مع مكانة المجلس ولا مع المسؤولية التي يحملها النائب . فهل يليق بممثل الشعب أن يخاطب زملاءه بلغة الشارع؟ وهل أصبحت الشتيمة بديلاً عن الحجة ، ورفع الصوت بديلاً عن قوة المنطق؟
عند العودة إلى الحياة البرلمانية في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي ، نلحظ فرقاً واضحاً . فقد ضمّ البرلمان آنذاك شخصيات سياسية وقانونية وثقافية ، وكان الاختلاف بينهم حاداً أحياناً ، لكنه بقي محكوماً بالأدب واحترام الآخر . وكانت قيمة النائب تُقاس بقدرته على الإقناع ، لا بقدرته على الإساءة .
أما اليوم ، فإن تراجع مستوى الخطاب لا يسيء إلى نائب بعينه ، بل يسيء إلى صورة مجلس النواب كله . فالنائب عندما يتحدث تحت قبة البرلمان لا يمثل نفسه ، بل يمثل الشعب والدولة ، وكل كلمة يقولها تنعكس على ثقة المواطنين بمؤسساتهم .
الديمقراطية لا تعني الفوضى ، وحرية التعبير لا تعني التجريح والإهانة . فالحصانة النيابية شُرّعت لحماية الرأي المسؤول ، لا لحماية الإساءة . والبرلمان وُجد لمناقشة القوانين وقضايا الناس ، لا لتحويل جلساته إلى مشادات شخصية ومبارزات كلامية .
لقد سئم اللبنانيون هذا المشهد . فهم لا ينتظرون نواباً يتبادلون الإهانات ، بل ينتظرون من يناقش همومهم ويقدّم الحلول لمشكلاتهم . يريدون اختلافاً في الأفكار ، لا في مستوى الأخلاق .
إن المشكلة ليست في وجود خلافات سياسية ، فهذا أمر طبيعي في أي نظام ديمقراطي ، بل في الطريقة التي تُدار بها هذه الخلافات . فعندما تسقط لغة الاحترام ، تسقط معها هيبة المجلس ، ويضعف احترام الناس للدولة نفسها .
إن استعادة هيبة البرلمان تبدأ باستعادة هيبة الكلمة . فالكلمة المهذبة لا تعني الضعف ، بل تعكس الثقة بالنفس وقوة الحجة . وما أحوج لبنان اليوم إلى نواب يرتقون بخطابهم إلى مستوى المسؤولية ، فيعيدون إلى البرلمان صورته كمؤسسة للحوار والتشريع ، لا كساحة للمهاترات والصراخ .


