وليد ج. هلال

بعد استعراض مواقف الولايات المتحدة وإيران، وقراءة حسابات دول الخليج وإسرائيل ولبنان، يبقى السؤال الذي يشغل الجميع:
إلى أين تتجه المنطقة؟
في اعتقادي، لا يقف الشرق الأوسط اليوم أمام مجموعة من السيناريوهات المتساوية في الاحتمال، كما يذهب بعض المحللين.
فالتحليل الاستراتيجي لا يقوم على تعداد جميع الاحتمالات، بل على ترجيح أكثرها واقعية في ضوء الوقائع الميدانية والسياسية.
وانطلاقاً من ذلك، أرى أن المنطقة تتجه نحو ثلاثة احتمالات رئيسية، تختلف في درجة ترجيحها، لكنها جميعاً تتأثر بعاملين لا يمكن تجاهلهما: مضيق هرمز، وأمن الخليج العربي.
الاحتمال الأول… وهو الأكثر ترجيحاً
حرب استنزاف طويلة بلا منتصر
هذا، في تقديري، هو السيناريو الأقرب إلى الواقع.
فالولايات المتحدة تمتلك تفوقاً عسكرياً ساحقاً، لكنها تدرك أن القوة الجوية وحدها لا تكفي لإسقاط النظام الإيراني أو فرض نظام بديل يحقق أهدافها السياسية.
وفي المقابل، تدرك إيران أنها غير قادرة على تحقيق نصر عسكري على الولايات المتحدة، لكنها تراهن على قدرتها على الصمود واستنزاف خصمها، ورفع كلفة أي مواجهة طويلة.
وهنا يظهر العاملان اللذان يفرضان نفسيهما على حسابات الجميع.
أولاً: مضيق هرمز.
فهذا الممر البحري ليس مجرد مضيق جغرافي، بل شريان يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط والغاز إلى العالم.
وأي اضطراب في الملاحة ستكون له انعكاسات مباشرة على أسعار الطاقة والاقتصاد العالمي.
وثانياً: أمن الخليج واستقراره الاقتصادي.
لقد استثمرت دول الخليج خلال السنوات الماضية مئات المليارات لبناء اقتصادات حديثة تعتمد على الاستثمار، والصناعة، والسياحة، والخدمات، ولم تعد تعتمد على النفط وحده.
وأي حرب واسعة قد تهدد هذه المنجزات، وتربك الأسواق العالمية، وتدفع الاقتصاد الدولي إلى موجة جديدة من الاضطرابات.
ولهذا، فإن هاتين الورقتين لا تمنعان الولايات المتحدة من توجيه ضربات عسكرية مؤلمة، لكنها تجعلان الحسم العسكري الشامل، الذي يهدف إلى إسقاط النظام الإيراني بالقوة، خياراً بالغ الكلفة والمخاطر.
وقد تستطيع واشنطن تدمير كثير من القدرات العسكرية الإيرانية، لكنها لا تستطيع أن تضمن أن يولد من تحت الأنقاض نظام جديد يحقق أهدافها، من دون أن يدفع الخليج والاقتصاد العالمي ثمناً باهظاً.
ولهذا، يبدو أن الطرفين يتجهان إلى إدارة الصراع أكثر من حسمه.
الاحتمال الثاني
اتساع رقعة الحرب
إذا كان أحد لا يريد حرباً إقليمية شاملة، فهذا لا يعني أنها مستحيلة.
فالتاريخ يعلمنا أن كثيراً من الحروب الكبرى بدأت بخطأ في الحسابات، أو بعملية عسكرية خرجت عن السيطرة.
ولبنان، للأسف، لا يقف خارج هذا المشهد.
فهو يعيش منذ أشهر على إيقاع مواجهة مستمرة، وإن تفاوتت حدتها.
والخطر الحقيقي لا يكمن في اندلاع الحرب، لأن جزءاً منها قائم بالفعل، بل في احتمال توسعها لتشمل مناطق جديدة، أو دخول أطراف إضافية إليها، بما يجعل السيطرة عليها أكثر صعوبة.
وعندها لن يكون لبنان وحده أمام الخطر، بل قد تمتد المواجهة إلى ساحات أخرى في المنطقة، فتدخل مرحلة يصعب التنبؤ بحدودها أو نتائجها.
الاحتمال الثالث
هدنة مؤقتة… لا سلام دائم
قد تفرض الضغوط الاقتصادية، أو الإرهاق العسكري، أو الوساطات الدولية، نوعاً من التهدئة بين الأطراف.
لكن، في رأيي، لن تكون هذه الهدنة نهاية للصراع.
فجذور الخلاف لا تزال قائمة، سواء في الملف النووي، أو النفوذ الإقليمي، أو أمن إسرائيل، أو مستقبل الوجود الإيراني في المنطقة.
ولهذا، فإن أي اتفاق محتمل سيكون، على الأرجح، إدارة مؤقتة للأزمة، لا حلاً نهائياً لها.
أي أنه سيؤجل المواجهة، لكنه لن ينهي أسبابها.
وأين لبنان من كل ذلك؟
إذا كانت الولايات المتحدة تفاوض من أجل مصالحها…
وإيران تفاوض من أجل نظامها ونفوذها…
وإسرائيل تتحرك من منطلق أمنها وتفوقها العسكري…
ودول الخليج تدافع عن استقرارها الاقتصادي…
فعلى ماذا يفاوض لبنان؟
هنا تكمن المأساة.
فلبنان، في كثير من الأحيان، لا يشارك في رسم مستقبله بقدر ما ينتظر نتائج التفاهمات التي تعقدها القوى الأخرى.
وقد تكون أخطر نتيجة لأي تسوية مقبلة أنها ستعيد رسم موازين القوى في المنطقة، بينما يبقى لبنان منقسماً حول أبسط مقومات الدولة.
وإذا انتهت أي تسوية إلى تقليص الدعم الإيراني لحزب الله، والحد من وصول السلاح والتمويل إليه، فإن ذلك سيغيّر بلا شك موازين القوى الداخلية.
لكن هذا وحده لن يكون كافياً لبناء دولة مستقرة.
فالاستقرار الحقيقي لا يتحقق بمجرد إضعاف طرف، بل بقيام دولة يشعر جميع اللبنانيين بأنها تحميهم جميعاً، وتساوي بينهم في الحقوق والواجبات.
إن تجفيف مصادر السلاح والتمويل الخارجي قد يكون شرطاً مهماً لاستعادة الدولة قرارها، لكنه يحتاج، في الوقت نفسه، إلى مشروع وطني يعيد الثقة بين الدولة وجميع مكوناتها، ويطمئن كل اللبنانيين إلى أن الدولة ستكون المرجعية الوحيدة لأمنهم ومستقبلهم.
الخاتمة
قد يطول الصراع…
وقد تتغير التحالفات…
وقد تتبدل موازين القوى…
لكن الحقيقة التي لا تتغير هي أن الأوطان لا تُبنى بالحروب، ولا تستقر بالرهان على الخارج.
أما نحن في لبنان، فلا يجوز أن يبقى مستقبلنا رهينة قرارات تُتخذ في واشنطن، أو طهران، أو تل أبيب، أو أي عاصمة أخرى.
لقد أثبت التاريخ أن الخارج قد يساعد، وقد يضغط، وقد يؤثر، لكنه لا يبني دولة نيابة عن شعبها.
إن خلاص لبنان لن يبدأ من الخارج، بل من الداخل… يوم يقتنع اللبنانيون بأن الدولة ليست خياراً سياسياً، ولا انتصاراً لفريق على آخر، بل شرط وجود لجميع أبنائها.
وقد لا يكون السؤال الحقيقي:
من سيصرخ أولاً في معركة عضّ الأصابع؟
بل السؤال الذي سيحدد مستقبلنا هو:
هل نتعلم من دروس الماضي، فنبني دولة يشعر كل مواطن أنها دولته، أم نبقى ننتظر أن يقرر الآخرون مصيرنا؟
فالحروب قد تصنع منتصرين مؤقتين… أما الدول، فلا يبنيها إلا أبناؤها.
ختام السلسلة


