وليد ج. هلال
سلسلة تحليلية – الجزء الأول من أربعة

هذا المقال ليس خبراً عاجلاً ولا تعليقاً عابراً، بل قراءة تحليلية تستند إلى الوقائع المتاحة حتى تاريخ نشره، وتحاول استشراف السيناريوهات المحتملة. فالسياسة ليست علماً دقيقاً، وإنما قراءة لموازين القوى، وحساب للمصالح، وتقدير لاحتمالات المستقبل.
إذا كنت تبحث عن فهم أعمق لما يجري في المنطقة، فأهلاً بك. أما إذا كنت تفضّل القراءة السريعة، فقد لا يكون هذا المقال مناسباً لك.
مقدمة
الحروب لا تبدأ دائماً عندما يضغط قائد على زر إطلاق النار، ولا تنتهي عندما يسكت هدير الطائرات.
ففي كثير من الأحيان، تكون الحرب الحقيقية هي تلك التي تدور في العقول قبل أن تدور في الميدان، حيث يحاول كل طرف إقناع الآخر بأنه الأقدر على الصمود، وأن خصمه سيكون أول من يتراجع.
هذه هي نظرية «عضّ الأصابع».
ليس المطلوب فيها أن تكسر إصبع خصمك، بل أن تقنعه بأن الألم الذي سيتحمله أكبر من الألم الذي تستطيع أنت تحمله.
واليوم، تبدو الولايات المتحدة وإيران وكأنهما دخلتا هذه المرحلة.
واشنطن تمتلك أقوى آلة عسكرية في العالم، وإيران تمتلك خبرة طويلة في إدارة الصراعات غير التقليدية والصمود تحت العقوبات والضغوط. كلاهما يعرف أن الحرب الشاملة ستكون مكلفة، وكلاهما يدرك أن التراجع غير المشروط سيُفسَّر على أنه هزيمة.
ومن هنا، تبدو المنطقة وكأنها تقف فوق حافة هاوية، بينما يستمر التفاوض بالتوازي مع التهديد، وتتقدم الوساطات بالتوازي مع الاستعدادات العسكرية.
لقد أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أهدافاً واضحة: منع إيران من امتلاك القدرة النووية العسكرية، حماية المصالح الأميركية، وضمان أمن الملاحة في الخليج، وإعادة رسم قواعد الردع في المنطقة.
أما إيران، فترى أن هدفها الأساسي هو الحفاظ على سيادتها، ومنع فرض الإملاءات عليها، والإبقاء على عناصر قوتها الاستراتيجية، وإثبات أنها ليست دولة يمكن إخضاعها بالقوة.
لكن، بعد أشهر من التصعيد، يبرز سؤال مشروع:
هل حقق أي من الطرفين أهدافه كاملة؟
إذا كانت الولايات المتحدة قد أظهرت تفوقها العسكري بلا جدال، فإنها لم تتمكن حتى الآن من فرض تسوية نهائية بالشروط التي أعلنتها.
وإذا كانت إيران نجحت في الصمود، فإنها دفعت ثمناً باهظاً اقتصادياً وعسكرياً، ولا تستطيع الادعاء بأنها خرجت من المواجهة من دون خسائر.
وهنا تكمن المفارقة.
فكلما ازدادت قوة الضربات، ازداد اقتناع الطرفين بأن الحسم الكامل أصعب مما كانا يتوقعان.
وأصبح السؤال لم يعد:
من يستطيع أن يبدأ الحرب؟
بل : من يستطيع أن ينهيها؟
**أولاً: المأزق الأميركي… عندما لا تكفي القوة وحدها
لا أحد يشك في حجم التفوق العسكري الأميركي.
فالولايات المتحدة تمتلك قدرات جوية وبحرية واستخباراتية تجعلها قادرة على توجيه ضربات دقيقة وعميقة إلى أي هدف تقريباً داخل إيران. وهي قادرة، إذا قررت، على تدمير قواعد عسكرية، ومنشآت استراتيجية، ومراكز قيادة، وبنى تحتية خلال ساعات.
لكن التاريخ العسكري يعلمنا أن امتلاك القوة لا يعني دائماً تحقيق الأهداف السياسية.
فالولايات المتحدة لم تدخل هذه المواجهة من أجل تنفيذ ضربات جوية فحسب، بل من أجل الوصول إلى نتائج واضحة، في مقدمتها فرض معادلة ردع جديدة، وإجبار إيران على تغيير سلوكها الاستراتيجي.
وهنا يبدأ المأزق.
فالضربات الجوية، مهما كانت مدمرة، تستطيع أن تدمر منشآت، لكنها لا تستطيع وحدها أن تغيّر قناعات دولة، أو أن تفرض استسلاماً سياسياً على نظام قرر أن يجعل الصمود جزءاً من شرعيته.
أما الخيار الآخر، وهو الحرب البرية، فيبدو أكثر تعقيداً.
إيران ليست دولة صغيرة يمكن احتلالها بعملية خاطفة، بل دولة مترامية الأطراف، ذات تضاريس صعبة، وعدد سكان كبير، ومؤسسات عسكرية وأمنية متماسكة، وتجربة طويلة في إدارة الصراعات.
وأي تدخل بري واسع قد يتحول إلى حرب استنزاف تمتد سنوات، وتستنزف الاقتصاد الأميركي، وتوقع خسائر بشرية يصعب على أي إدارة في واشنطن تحملها، خصوصاً في ظل الانقسام السياسي الداخلي.
لذلك، تجد الولايات المتحدة نفسها أمام معادلة دقيقة:
هي قادرة على زيادة الألم الذي تشعر به إيران، لكنها ليست متأكدة من أن هذا الألم سيقود إلى النتيجة السياسية التي تريدها.
ومن هنا يمكن فهم سبب استمرار المفاوضات، رغم لغة التهديد، ورغم التصعيد العسكري.
فالطرف القوي، هو أيضاً، يبحث عن مخرج إذا أدرك أن كلفة الحسم قد تصبح أعلى من كلفة التسوية.


