(م)العميد الركن مروان زاكي
يقول المثل الشعبي : “اللي بياخذ أمي بصير عمي .” ولعلّه من أكثر الأمثال تعبيراً عن العقلية التي حكمت جزءاً كبيراً من الحياة السياسية في لبنان ، حيث تتبدل الولاءات بتبدل موازين القوى ، ويبقى الوطن هو الخاسر الدائم .
منذ عقود ، لم يتوقف اللبنانيون عن البحث عن الوليّ في الخارج . بعضهم منذ الام الحنون فرنسا إلى من رأى في عبد الناصر زعيمه ، ومنهم من جعل ياسر عرفات مرجعيته ، ثم جاء زمن حافظ الأسد ، وبعده إيران ، وفي المقابل من لم يجد حرجاً في التعويل على إسرائيل ، واليوم يهلل آخرون لأحمد الشرع .
تتغير الأسماء ، لكن المرض واحد . انتظار الخلاص من خارج الحدود .
اللافت أن كل فريق يصف خصمه بالعمالة ، بينما يمنح ارتهانه هو أسماء أكثر أناقة . مقاومة ، ممانعة ، محور ، حماية ، عمق استراتيجي ، أو واقعية سياسية . إنها ازدواجية لم تنتج إلا مزيداً من الانقسام ، حتى أصبح الولاء للوطن تفصيلاً ثانوياً أمام الولاء للطائفة أو الحزب أو المحور .
ليس عيباً أن تقيم الدولة علاقات مع العالم ، فهذه طبيعة السياسة . لكن العيب أن يتحول الخارج إلى صاحب الكلمة الفصل في قرارات الداخل ، وأن يصبح اللبناني مستعداً للدفاع عن مصالح دولة أخرى أكثر من استعداده للدفاع عن مصلحة بلده .
الدولة لا تقوم على تعدد المرجعيات ، ولا على جيوش موازية ، ولا على زعامات تستمد قوتها من عواصم أخرى . الدولة تقوم عندما يكون الدستور هو المرجع ، والقانون هو الحكم ، والسيادة ليست شعاراً يرفع في الخطابات ويُعلَّق عند أول اختبار .
لهذا ، فإن أزمة لبنان ليست اقتصادية فقط ، ولا مالية فقط ، ولا حتى دستورية فقط . إنها أزمة انتماء . فالوطن الذي ينقسم أبناؤه بين عواصم الأرض ، لن يستطيع أن يبني عاصمة واحدة لقراره الوطني .
قد يبدو الكلام قاسياً ، لكنه أقل قسوة من الواقع . فالدولة التي يُختلف فيها على هوية العدو والصديق ، وعلى السلم والحرب ، وعلى المرجعية السياسية ، ليست دولة ، بل ساحة مفتوحة لتصفية حسابات الآخرين .
لن ينهض لبنان عندما ينتصر محور على محور ، ولا عندما يسقط زعيم ويأتي آخر . سينهض فقط عندما يسقط وهم أن الخارج سيبني لنا وطناً . فكل من راهن على قوة خارجية ظنّ أنه سيحصد النفوذ ، فإذا به يحصد مزيداً من الانقسام .
أما الحقيقة التي أثبتها التاريخ ، فهي أن الدول لا يحميها الأوصياء ، بل يحميها مواطنون يرون في وطنهم المرجعية الأولى والأخيرة . وكل ما عدا ذلك ليس سوى انتقال دائم من وصاية إلى وصاية ، ومن عمّ إلى عمّ آخر ، بينما تبقى الأم… هي الوطن الذي يدفع الثمن .


