…قد يظنّ البعض أنّ الجنون لعنة، لكنّ جنون الحق في زمن الباطل هو آخر ما تبقّى من العقل. ففي داخل كلّ إنسان وحشٌ نائم، فإذا مات الضمير واستُبيحت الكرامة، استيقظ ذلك الوحش وخرج عن السيطرة. وما إن يتغلغل في ضمير وطنٍ، حتى لا يعود أبناؤه يهربون منه… بل يسيرون إلى جوفه بأقدامهم، بعدما أقنعهم اليأس أنّ النجاة لم تَعُد تسكن أرضهم.
أنظر إلى شباب مناطقنا فأرى ليلًا كثيفًا يبتلع أحلامهم. تتوالى أخبار الانتحار، فيما ينشغل الجميع بتعداد الأرقام، وكأنّ المأساة مجرّد خبر عابر. أمّا السؤال الحقيقي، فلا أحد يريد أن يواجهه: لماذا وصل الإنسان إلى هذه الحافة؟
الجواب ليس لغزًا…
حين يُسرق الوطن، تُسرق معه فرص العمل. وحين تُنهب الدولة، يُنهب معها المستقبل. وحين تتحوّل الوظيفة إلى غنيمة، والكرامة إلى واسطة، يصبح الشاب أسير اليأس لا أسير الفشل.
لقد تركتم أبناء هذا الوطن أمام طريقين لا ثالث لهما: حقيبة سفر… أو قلب يختنق من شدّة القهر.
فالهجرة لم تعد حلمًا، بل أصبحت نجاةً من وطنٍ لفظ أبناءه. ومن بقي، بقي يصارع الفقر والعجز والانكسار، بينما تُقام الولائم، وتُضاء القصور، وتُنثر الملايين في حفلات البذخ، كأنّ وجع الناس لا يعني أحدًا.
أيّها النواب والمسؤولون…
أنتم لا تستطيعون غسل أيديكم من هذا الخراب. فحين تُهدر الأموال العامة، وتُقفل أبواب الفرص، ويُترك الشباب لمصيرهم، تصبح المسؤولية أخلاقية قبل أن تكون سياسية.
وأقول لرجال الدين الذين اصطفّ كثيرون منهم إلى جانب أهل السلطة بدل أن يقفوا إلى جانب المظلومين: رسالتكم أن تكونوا صوت الضمير، لا صدى النفوذ. فحين يصمت الضمير أمام الظلم، يفقد منبره معناه، وتبهت قدسيّة رسالته.
لن تُعالج مآسي الشباب بالخطب، ولا بالشعارات، ولا بالوعظ الموسمي.
الشباب يحتاج إلى عمل، إلى عدالة، إلى كرامة، إلى دولة تحميه، وإلى مسؤول يشعر بأنّ المنصب تكليف لا غنيمة.
ارفعوا أيديكم عن لقمة الفقير…
اتركوا لهذا الشعب حقّه في أن يعيش بكرامة، لا أن يكتفي بالبقاء على قيد الحياة.
لقد طفح الكيل…
وسيأتي يومٌ لا يسأل فيه التاريخ كم جمعتم من مال، بل كم إنسانًا خسر هذا الوطن لأنّ ضمائركم تأخّرت عن الاستيقاظ.


