ليس النقاش في طرد سفير أو الإبقاء عليه . هذه مسألة إجرائية تقوم بها أي دولة تمتلك قرارها ، وتُعالج ضمن أصول دبلوماسية واضحة لا تحتمل الضجيج . لكن حين تتحوّل خطوة كهذه إلى أزمة داخلية ، وإلى شدّ حبال بين قوى متنازعة ، يصبح السؤال أكبر بكثير : هل هناك دولة فعلاً؟
الدولة ليست مبنى ولا علماً ولا خطاباً رسمياً . الدولة هي مرجعية القرار . هي الجهة التي تقول نعم أو لا في الشؤون السيادية ، من دون أن تنتظر إذناً من أحد في الداخل . فإذا كان كل قرار يحتاج إلى ميزان قوى ، وإلى حسابات ردود الفعل ، وإلى خشية من اعتراض هذا الفريق أو ذاك ، فنحن لا نكون أمام دولة ، بل أمام تسوية دائمة تُدار تحت اسم الدولة .
المشكلة لم تعد في ضعف المؤسسات فقط ، بل في تعدّد المرجعيات . الدستور يقول إن القرار في يد مجلس الوزراء ، لكن هناك واقعاً يفرض شراكة قسرية في كل تفصيل . وهنا تتآكل السيادة بهدوء : لا تُلغى ولا تسقط ، بل تُجزّأ وتساوم .
والأنكى أن المساومة لم تعد تُفرض من خارج الدولة ، بل باتت تُدار من داخلها ، من مواقع يُفترض أنها حارسة القرار لا شريكة في تعطيله . حين تتحوّل رئاسات السلطة ، بفعل توزيعها الطائفي ، إلى مراكز تفاوض على كل استحقاق ، يفقد القرار معناه السيادي ويصبح مجرد نتيجة لتوازنات داخلية . عندها ، لا تعود الدولة مرجعية تُحسم فيها الخيارات ، بل إطاراً للصفقات ، بصمت دستوري وضجيجٍ سياسي حين يُصبح بإمكان أي طرف أن يعطّل قراراً سيادياً ، أو أن يهدّد بكلفة داخلية إذا لم يُراعَ ، يتحوّل القرار من حق دستوري إلى مادة تفاوض . وعندها ، لا يعود السفير هو القضية ، بل يصبح مجرد عنوان لصراع أعمق : من يملك الكلمة الأخيرة؟
المفارقة أن الجميع يتحدّث باسم الدولة ، لكن الدولة نفسها غائبة كمرجعية حاسمة . تُستخدم حين تفيد ، وتُعطَّل حين تعارض . وهكذا نعيش في صيغة هجينة : دولة في الشكل ، وتوازن قوى في الجوهر .
لا معنى للسجال حول طرد سفير إذا لم يُحسم أصل المسألة . السيادة لا تُقاس بقرار واحد ، بل بقدرة مستمرة على اتخاذ القرار . وإذا لم تكن هذه القدرة موجودة ، فكل نقاش سيبقى يدور في الحلقة نفسها ، مهما تغيّرت العناوين .
ليس المهم ماذا نقرّر ؟بل من يقرّر .


