مقاومة كانت في مزارع شبعا أصبحت في بنت جبيل ، لكن تعريف النصر فيها لا يُحسم في الميدان ، بل يُعلَن عند وقف إطلاق النار .
هنا ، لا تكون نهاية المعركة مجرد هدنة ، بل لحظة إعلان معنوي يُعاد فيها تفسير ما جرى ، ويُقدَّم للرأي العام على أنه انتصار ، مهما كانت الكلفة ومهما كانت النتائج على الأرض .
في الميدان ، الصورة مختلفة . القرى تُدمَّر ، الناس تُهجَّر ، والاقتصاد ينهار . من يعيش تحت النار لا يقيس الأمور بالشعارات ، بل بالخسارة اليومية : بيت يُهدم ، عائلة تتفرق ، وأمان يتبخر . أما في الخطاب ، فالمعادلة أبسط بكثير : صمود يساوي نصراً ، ووقف إطلاق نار يساوي تتويجاً لهذا الصمود .
المشكلة ليست في المقاومة كمفهوم ، بل في احتكار تعريف نتائجها . عندما يصبح النصر قراراً يُعلَن ، لا نتيجة تُقاس ، تتحول المعركة إلى رواية مغلقة لا تقبل النقاش . لا أحد يسأل : ماذا تغيّر فعلياً؟ هل استُعيدت الأرض؟ هل تعزّزت الدولة؟ أم أننا عدنا إلى النقطة نفسها ، مع خسائر إضافية؟
من تحرير مزارع شبعا إلى بنت جبيل ، يتكرر المشهد . تبدأ المواجهة بحماسة عالية ، وتتضخم التوقعات ، ثم ينتهي كل شيء بوقف إطلاق نار يُقدَّم كإنتصار . وبين البداية والنهاية ، يدفع الناس الثمن كاملاً .
النصر الحقيقي لا يكون في القدرة على الصمود فقط ، بل في القدرة على تحقيق نتيجة واضحة ومستدامة : أرض تُستعاد ، وسيادة تُثبت . ما دون ذلك يبقى أقرب إلى إدارة أزمة ننتجها نحن ثم نتباهى بادارتها ، وإلى تدوير للصراع لالتقاط الأنفاس .
المشكلة ليست في لحظة وقف إطلاق النار ، بل في تحويلها إلى خط نهاية وهمي . لأن النصر ، إذا لم يُترجم واقعاً ملموساً ، يبقى مجرد رواية… تتكرر في كل مرة ، فيما الخسارة تتراكم بصمت .


