
في لبنان، قد لا يكون أخطر ما في شحنة متفجرات وزنها نصف طن، بل ما يحدث عندما يحاول القضاء أن يسأل عن مصدرها ووجهتها والغاية منها. فبين متفجرات ضُبطت عند حاجز ضهر البيدر، وادعاء قضائي على ثلاثة عشر شخصًا، ومعلومات أوردتها قناة «MTV» عن تحذير منسوب إلى حزب الله بأن «هذا التدبير بيخرّب البلد»، تقف الدولة أمام امتحان يتجاوز خطورة الملف الأمني نفسه.
هل أصبح تطبيق القانون خطرًا على البلد، فيما يُطلب من اللبنانيين التعايش مع وجود السلاح والمتفجرات خارج سلطة الدولة؟
نصف طن من المتفجرات ليس تفصيلًا عابرًا، ولا قضية يجوز طيّها تحت ضغط السياسة والسلاح. فمن أين جاءت هذه المتفجرات؟ ومن أمر بنقلها؟ ومن موّل العملية؟ وإلى أين كانت تتجه؟ ولأي غاية؟
وفي موقف يزيد خطورة التساؤلات، أكد وزير الاتصالات شارل الحاج أن الشحنة لم تكن معدّة للتخزين، بل للاستخدام، محذّرًا من أنها كانت ستؤدي إلى تفجير البلد، سواء كان استخدامها المقصود في الداخل أو الخارج.
«وبحسب المعلومات المنشورة، شمل الادعاء القضائي ثلاثة عشر شخصًا، لم يُوقَف منهم سوى اثنين، فيما لا يزال أحد عشر خارج قبضة العدالة. وهنا يصبح السؤال: هل تستطيع الدولة تنفيذ قرارات قضائها والوصول إلى المسؤولين الفعليين، أم تتوقف المحاسبة عند حدود النفوذ السياسي؟»
وفي موازاة التحذير الذي نقلته «MTV»، اعتبر النائب حسين الحاج حسن أن المدعى عليهم يستحقون التكريم لا المحاكمة، دفاعًا عن أعمال وصفها بأنها جزء من مقاومة الاحتلال.
من حق أي طرف الاعتراض على الادعاء والدفاع عن المدعى عليهم بالوسائل القانونية، لكن الفصل في المسؤوليات يعود إلى القضاء، لا إلى موازين القوى السياسية. فلا أحد يُدان لأنه ينتمي إلى حزب الله، ولا أحد يُعفى من المساءلة لأنه ينتمي إليه.
والمطلوب اليوم ليس بيانات ولا مواقف للاستهلاك الإعلامي، بل تحقيق شفاف يكشف من قرّر ومن نقل ومن موّل ومن كان يعلم بالوجهة والغاية، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، من دون استثناء أو تمييز.
فالدولة التي لا تستطيع فرض القانون على الجميع لا تستطيع أن تطلب من مواطنيها الثقة بها. وضهر البيدر اليوم امتحان حقيقي لهيبتها وسيادتها.
لبنان لا يحتاج إلى قضاء ينتصر على حزب، ولا إلى حزب ينتصر على القضاء. بل يحتاج إلى قضاء مستقل لا يخضع للتهويل، وإلى دولة لا تتراجع عندما يحين وقت المحاسبة.
فإما أن ينتصر القانون وتُفرض سلطة المؤسسات الشرعية، وإما أن تبقى الدولة أسيرة موازين القوى والتسويات، وتبقى هيبتها معلّقة على موافقة من يُفترض أن يخضعوا لسلطتها.


