عندما نقارن بين الأردن ولبنان ، لا نقارن بين بلدين متشابهين في ظروفهما وتاريخهما ، بل بين تجربتين في التعامل مع السلاح الخارج عن سلطة الدولة ، وما ترتب على كل منهما من نتائج على السيادة والاستقرار ومستقبل الحكم .
عندما تحوّل الوجود المسلح لمنظمة التحرير الفلسطينية في الأردن إلى تحدٍّ لسلطة الدولة ، واجهت المملكة هذا التحدي فيما عُرف بأيلول الأسود عام 1970 ، واستكملت إخراج القوات الفلسطينية المسلحة من أراضيها عام 1971 . وبذلك أنهت وجود قوة مسلحة تنازع الدولة سلطتها وقرارها السيادي .
أما لبنان ، فقد سلك طريقاً مختلفاً . فبدلاً من حسم مسألة السلاح الفلسطيني ، انقسم اللبنانيون طائفياً وسياسياً حول المقاومة الفلسطينية ، وتحولت البلاد إلى ساحة للصراعات الإقليمية . ومع تراجع سلطة الدولة وتنامي نفوذ التنظيمات الفلسطينية المسلحة ، أصبح هذا الوجود أحد العوامل الأساسية التي أسهمت في اندلاع الحرب الأهلية عام 1975 ، نتيجة تداخل الصراع حول دور هذه التنظيمات وسلاحها مع الانقسامات الداخلية والتدخلات الخارجية .
ولم يؤدِّ خروج المقاتلين الفلسطينيين من بيروت عام 1982 إلى إنهاء الحرب الأهلية . فقد جرى الإجلاء في سياق الاجتياح الإسرائيلي وحصار العاصمة ، وبعد مفاوضات دولية نظّمت خروج المقاتلين . وانتقلت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية ، برئاسة ياسر عرفات ، إلى تونس ، فيما توزّع المقاتلون الفلسطينيون على تونس ودول عربية أخرى . وهكذا ، انتهى الوجود العسكري الفلسطيني الواسع في بيروت ، لكن الدولة اللبنانية لم تستعد سيادتها الكاملة .
وفي تلك المرحلة ، بقي الجيش السوري في لبنان ، واستمر التدخل في شؤونه سنوات طويلة . وبذلك ، لم يؤدِّ خروج المقاتلين الفلسطينيين إلى استعادة القرار السيادي اللبناني ، بل استمرت البلاد خاضعة لتجاذبات إقليمية حالت دون قيام سلطة دولة مستقلة القرار .
وفي مرحلة لاحقة ، برز واقع مختلف مع تنامي قوة حزب الله وتحالفه مع إيران . فقد نشأ الحزب في سياق الاحتلال الإسرائيلي للبنان ، ثم تطوّر إلى قوة عسكرية وسياسية ذات ارتباطات إقليمية سيطرة على القرار اللبناني .
وهنا لا بد من التمييز بين السلاحين . فالسلاح الفلسطيني تنظيمات مسلحة غير لبنانية على الأراضي اللبنانية . أما سلاح حزب الله ، فقد نشأ في سياق مقاومة الاحتلال ، لكنه استمر بعد انسحاب إسرائيل من معظم الأراضي اللبنانية ، وتحوّل إلى قوة عسكرية مستقلة عن سلطة الدولة ، مرتبطة بتحالف استراتيجي مع إيران . وهذا يطرح إشكالية مختلفة تتعلق بمرجعية القرار العسكري وحق الدولة الحصري في تقرير الحرب والسلم .
إن اختلاف نشأة السلاحين وسياقهما لا يبرّر وضعهما في مرتبة واحدة . فعندما ظهر حزب الله رافعاً شعار العداء لإسرائيل ، تقبّلنا وجوده ، بل أيدناه ، انطلاقاً من قناعتنا بأن عدوّنا واحد . لكن بعد الحرب ، وما خلّفته من قتلى ودمار وتهجير واحتراق قرى وتدميرها . ولم يثبت سلاح الحزب قدرته على الردع أو حماية الشعب .
وحين تكون الخسائر بهذا الحجم ، ويُترك اللبنانيون يدفعون ثمن قرارات لم يشاركوا في اتخاذها ، يصبح من غير المقبول الاستمرار في تأييد نهج يعرّض الوطن وشعبه للدمار . فالمسألة لم تعد مجرد موقف من إسرائيل ، بل أصبحت مسألة مسؤولية عن نتائج الحرب ، ومن يملك حق اتخاذ قرارها ، ومن يتحمّل كلفتها .
وهذا يؤكد حقيقة أساسية . لا تستقيم الدولة عندما يوجد قرار عسكري خارج مؤسساتها الشرعية ، مهما كانت المبررات التي رافقت نشأته أو الظروف التي أوجدته
إن بناء دولة مستقرة لا يتحقق بتقاسم القرار السيادي بين مؤسساتها وقوة مسلحة مستقلة عنها . والطريق أمام لبنان يبدأ بفرض سلطة الدولة على كامل أراضيها ، وحصر السلاح بالجيش اللبناني والقوى الأمنية الشرعية ، بحيث تصبح مسؤولية الدفاع عن الوطن وقرار الحرب والسلم بيد الدولة وحدها.
بين الأردن ولبنان ، يكمن الفارق في حسم مسألة سلطة الدولة. فقد حسم الأردن المواجهة مع القوة المسلحة التي نازعته سلطته ، فيما بقي لبنان ، رغم خروج المقاتلين الفلسطينيين وتغيّر القوى والظروف ، عاجزاً عن استكمال استعادة قراره السيادي . فالمشكلة لم تنتهِ برحيل سلاح ، بل انتقلت إلى واقع مختلف ، تحت وطأة من يملك قرار الحرب والسلم في لبنان؟
وهنا يكمن جوهر المقارنة . دولة حسمت حقها في احتكار السلطة والسلاح ، ودولة لا تزال تواجه تحدّي استعادة هذا الحق .


