لا يمكن النظر إلى الهجوم الإرهابي الذي استهدف كنيسة في الأردن باعتباره جريمة عادية ، فخطورة هذا الاعتداء لا تقتصر على الجريمة نفسها ، بل تمتد إلى احتمال استغلاله لإثارة الفتنة وزعزعة الاستقرار في بلد حافظ على تماسكه وسط منطقة أنهكتها الأزمات والصراعات .
لقد شهدت دول المنطقة خلال العقود الماضية أزمات وحوادث طائفية خلّفت جروحاً عميقة ، وأضعفت المجتمعات ، وهدّدت استقرار الدول . ولم تكن النتائج وليدة الحوادث وحدها ، بل ساهمت في تفاقمها أيضاً طريقة التعامل معها ، والتأخر في معالجة أسبابها ، وترك المجال أمام التحريض والانقسام حتى تحوّلا إلى أزمات يصعب احتواؤها .
أما الأردن ، الذي حافظ على استقراره وتماسكه رغم ما أحاط به من اضطرابات ، فهو اليوم أمام فرصة للاستفادة من تجارب الدول القريبة منه ، والتعلّم من الأخطاء التي دفعت تلك الدول أثماناً باهظة بسببها . فليس المطلوب أن ينتظر الأردن حتى تتكرر لديه الظروف نفسها ، بل أن يقرأ ما جرى حوله ، ويدرك أن الوقاية من الفتنة تبدأ بمعالجة أسبابها قبل أن تتفاقم .
ومن هنا ، فإن التعامل مع الاعتداء على الكنيسة يجب ألا يقتصر على كشف الجريمة ومحاسبة مرتكبيها ، على أهمية ذلك ، بل ينبغي أن يشمل أيضاً قطع الطريق على كل محاولة لاستغلال الحادثة في التحريض الديني أو إثارة الانقسام داخل المجتمع . فالمعالجة الصحيحة تقوم على الحزم والعدالة ، وفرض القانون ، وحماية دور العبادة ، وصون الوحدة الوطنية ، من دون تراخٍ أو تهويل .
إن الخطر لا يكمن في تكرار الحوادث وحده ، بل في تكرار أساليب معالجتها التي لم تمنع تفاقمها في أماكن أخرى . وهنا تحضر المقولة المنسوبة إلى أينشتاين ، ومفادها أن تكرار الفعل نفسه وانتظار نتائج مختلفة ليس منطقاً سليم . فإذا أراد الأردن أن يتجنب نتائج التجارب التي شهدتها الدول المجاورة ، فعليه أن يستفيد من دروسها ، لا أن يكرر أخطاءها .
الأردن ليس محكوماً بتكرار مآسي الآخرين ، لكنه مسؤول عن التعلّم منها . والمطلوب اليوم معالجة حازمة وعادلة تمنع استغلال الجريمة لإشعال الفتنة ، وتحاصر أسبابها قبل أن تتسع . فالحكمة ليست في انتظار الأزمة حتى تقع ، بل في اتخاذ القرار الصحيح قبل فوات الأوان ، والتاريخ لا يرحم من لا يتعلّم من دروسها .


