
رغم أن أعداد المسيحيين في الشرق تتراجع، بل يكاد وجودهم يصبح ضئيلاً جداً في بعض الدول، مثل سوريا والعراق، تعرّض مصلّون في كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك الأردنية لهجوم إرهابي، استُشهد فيه، وفق المعلومات المتداولة، ما لا يقلّ عن سبعة مسيحيين.
ليس سرّاً أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة في المملكة الأردنية الهاشمية، لكنّ الأردنيين المسيحيين يتمتّعون بحقوقهم، وتوليهم المملكة أهمية قصوى، وتعتبرهم من المكوّنات التاريخية الأساسية للأردن. لكن، في الحقيقة، ليس الإسلام هو المتّهم بهذه الجريمة، إنما الإرهاب الذي لا دين له، ولو حمل القرآن أو الإنجيل. فالفاعلون، وإن ثبت أنهم مسلمون في هوياتهم، لا يعرفون عن الإسلام شيئاً، ولا يعرفون عن المسيح والسلام اللذين يعشقهما المسيحيون.
في الواقع، لن أكون متساهلاً، لأنني لن أكتفي بتجريد مَن يقتل باسم الإسلام، تطرّفاً وشرّاً وبفكر إلغائي، من صفة المسلم، بل لن أرحم في موقفي حتى أولئك الذين يضيّقون على المسيحيين ويضايقونهم في سوريا والعراق والأردن ومصر، وفي كل الدول التي أصبح فيها المسيحيون أقليات.
فالذين يستهدفون المسيحيين شياطين لا بشر، وإن اتّخذوا هيئات بشرية، فهم في الحقيقة وحوش فقدت عقولها وقلوبها، وتجرّدت من إنسانيتها. ولا يستحقّون الانتساب إلى الإسلام أو إلى أي دين آخر، بل يجب على الدول التي يعيشون فيها أن تحاسبهم بأقصى العقوبات التي ينصّ عليها القانون، وأن تجرّدهم من أي غطاء ديني أو سياسي يحمي جرائمهم.
ليس مقبولاً أن نكون في القرن الحادي والعشرين، ولا يزال المسيحي يتعرّض لعمليات إرهابية لمجرّد أنه مسيحي. لكن ما ندركه جيداً، نحن المسيحيين، أن هؤلاء الإرهابيين هم أعداء المسلمين المعتدلين أيضاً. وإذا استهدفوا اليوم المسيحيين، فسيستهدفون غداً المسلمين العقلاء الذين يحبّون الله ويرون وجهه في كل إنسان آخر، مهما كان دينه.
لكن حذارِ أن تتكاثر هذه العمليات الإرهابية وتتمدّد إلى دول أخرى، وخصوصاً لبنان. فنحن المسيحيين نستشعر الخطر فوراً، لكن فليعلم الإرهابيون، إذا وُجدوا في لبنان، أن المسيحيين هنا لن يقفوا مكتوفي الأيدي أمام أي اعتداء يستهدف وجودهم وكرامتهم وحريتهم. ويكفي أن نذكّر هؤلاء بالكلام المنسوب إلى الرئيس الشهيد بشير الجميّل:”نحن قدّيسو هذا الشرق وشياطينه، نحن صليبه وحربته، نحن نوره وناره، قادرون على إحراقه إن أحرقوا أصابعنا، وقادرون على إنارته إن تركونا على حريتنا”.
رحمة الله على الشهداء المسيحيين الذين سقطوا في الأردن. هؤلاء قدّيسون في وجداننا، لأنهم غُدر بهم وهم يصلّون ويتكلّمون مع الله. ولنترك للأردن الشقيق أن يحاسب المجرمين، فهو أدرى بشعابه، وأحرص على حماية أبنائه وصون وحدته الوطنية.


