
تبكي الأردن موتاها، ويعود السؤال الموجع: كيف تحوّل مكانٌ للصلاة والعزاء إلى مسرحٍ للخوف والدم؟ وإلى متى يبقى الأبرياء العزّل عرضةً للاعتداء، حتى وهم يودّعون أحبّاءهم؟
الاعتداء الذي طال المشيّعين في كنيسة حمود بمحافظة الكرك، وأوقع قتلى وجرحى، ترك جرحًا في وجدان النشامى وكلّ من يؤمن بحقّ الإنسان في الحياة وحرية العبادة. وفيما تتواصل التحقيقات لكشف المنفّذين ودوافعهم، تبقى إدانة الجريمة واجبًا لا يحتمل التردّد.
حين تُستباح الكنائس، لا تُصاب الحجارة والجدران فحسب، بل يُمسّ أمان المؤمنين، وتُجرح كرامتهم، ويتسلّل الخوف إلى مكانٍ يقصدونه طلبًا للسكينة.
ومن كنيسة مار إلياس في دمشق، التي شهدت تفجيرًا انتحاريًا في حزيران 2025، إلى كنيسة العائلة المقدسة في غزة، التي أصابتها ضربة إسرائيلية في تموز من العام نفسه، وصولًا إلى جريمة الكرك، تتعدّد الوقائع وتختلف الجهات والظروف، لكنّ ألم العائلات واحد، وحماية المؤمنين واجبٌ لا يقبل المساومة.
الكنائس ليست ساحات حرب، والمصلّون والمشيّعون ليسوا أهدافًا. ومن يدخل بيت الله للصلاة أو لوداع عزيز، لا ينبغي أن يخشى أن يكون هو الضحية التالية. الإيمان المسيحي ليس تهمةً، وحرية العبادة حقٌّ يفقد معناه إذا عجز المؤمن عن ممارسته بأمان.

وقد وصف العاهل الأردني، الملك عبدالله الثاني، الاعتداء بأنه عمل إرهابي، وتوعّد مرتكبيه بأشدّ العقوبات، مؤكّدًا أن رصاص الغدر لن ينال من وحدة الأردنيين. وزار جلالته الكرك عقب الاعتداء، واطمأنّ إلى المصابين في مستشفى الكرك الحكومي، مشدّدًا على أنّ «دم الأردني غال، وسنضرب بيد من حديد من تطاول على هذا البلد».

هذا الموقف الحازم يضع حماية الناس ومحاسبة المعتدين في صلب المسؤولية. فللإدانة ضرورتها، لكنّ صدقيّتها تُقاس بما يليها: إجراءاتٌ تحمي دور العبادة، وتحقيقٌ يكشف الحقيقة، وعدالةٌ تطال المرتكبين أيًّا تكن هوياتهم. ذلك حقّ الضحايا وذويهم، وما يحتاج إليه الأردنيون ليستعيدوا طمأنينتهم؛ فالأمان يُبنى حين يثق الناس بأن القانون يحميهم، وأن الاعتداء عليهم لن يمرّ بلا عقاب.
والتضامن مع الأردن يقتضي أيضًا احترام وحدة أبنائه، وترك تحديد المسؤوليات للتحقيق والأدلّة. فالمحاسبة تفقد عدالتها حين يتحوّل الاتهام من مرتكب الجريمة إلى جماعة بأكملها، ويُحمَّل الأبرياء وزرًا لم يرتكبوه.
كلّ التضامن مع الأردن في محنته، والرحمة لضحاياه، والشفاء لجرحاه، والعزاء لعائلاتهم.
ومن قلب هذا الحزن، يبقى المطلب واضحًا: أن يدخل الناس بيوت الله للصلاة، لا أن يصبحوا أسماءً في صلاةٍ على أرواحهم.


