
في لبنان، لا يحتاج الإنسان إلى معرفة ما يجري خلف الأبواب المغلقة ليدرك حجم المأساة. يكفي أن يرى بيتًا تحوّل ركامًا، وأمًّا تحتضن أطفالها خوفًا من المجهول، وأبًا يقف أمام أنقاض عمره عاجزًا عن الإجابة عن سؤال صغيره: متى نعود إلى البيت؟
هؤلاء لا يعرفون أسرار المفاوضات ولا حسابات المحاور. يعرفون فقط أنهم يدفعون ثمن حروب لم يختاروها، وصراعات لم يصنعوها، وقرارات لم يُستشاروا فيها.
ليس التفريط بالوطن دائمًا صفقةً تُعقد، فقد يكون قرارًا تُدفع أثمانه من أمن الناس وأرزاقهم ومستقبل أبنائهم.
قد نختلف على المسؤوليات، لكننا لا نختلف على هوية الذين يدفعون الثمن: الجندي الذي يواجه الخطر، والعامل الذي يكافح لتأمين لقمة العيش، والشاب الذي يحمل أحلامه إلى المطار، والطفل الذي بات يميّز أصوات القذائف قبل أن يتعلّم معنى السلام.
وفي المقابل، لا تنقصنا الخطابات الرنّانة، بل تنقصنا الأفعال التي تحمي الناس. فما قيمة الشعارات إذا بقي المواطن خائفًا على أرضه وبيته وأولاده؟ وما معنى الوطنية إذا تحوّلت إلى كلمات تُرفع فوق أنقاض الوطن؟
من يملك قرار الحرب والسلم؟ ومن يتحمّل مسؤولية نتائجه؟ ولماذا يُطلب من اللبنانيين دفع أثمان قرارات لا يملكون حقّ المشاركة فيها؟
هذه ليست أسئلة للمزايدة، بل أسئلة دولة ومحاسبة. فحين تغيب المساءلة عن القرارات المصيرية، يصبح المواطن آخر مَن يعلم، وأول مَن يدفع الثمن.
لبنان ليس ملكًا لأحد، ولا مزرعةً لأحد، ولا ورقةً في يد أحد. إنه وطن أناس يريدون أن يعيشوا بكرامة، لا أن يبقوا رهائن الخوف والانتظار.
نريد دولة شجاعة تملك وحدها قرار الحرب والسلم، ولا تتردّد في إحالة ملف متفجرات ضهر البيدر إلى المجلس العدلي، وفق الأصول القانونية، بعدما أعلن النائب حسن فضل الله أن المتفجرات تعود إلى حزب الله. دولة لا تختبئ خلف التبريرات السياسية، ولا تسمح للحسابات والمساومات بأن تُضعف هيبتها أو تعرقل مسار العدالة. نريد دولة تحمي مواطنيها، وتُخضع الجميع للقانون، ولا تكتفي بإحصاء الضحايا بعد كل مأساة، بل تمتلك الشجاعة لمنع المأساة قبل وقوعها.
فالوطنية التزام لا شعار، والسلام ليس مجرّد صمت للمدافع، بل اطمئنان الإنسان إلى أن حياته ومستقبله ليسا رهينة حسابات الآخرين.
ليست مأساة اللبناني أن وطنه يمرّ بالحروب والأزمات فحسب، بل أن يُطلب منه في كل مرة أن يتحمّل النتائج، من دون أن يكون شريكًا في القرار أو شاهدًا على المحاسبة. فمتى يصبح حقّه في الأمان أقوى من حقّ الآخرين في تقرير مصيره؟


