انطوان نصر – بدارو
أعظم مولود كنسي لبناني : ديمقراطية الكنيسة السرّية العليا
خلال الفترة الاخيرة، حقّق بعض رجال الكنيسة اللبنانية أعظم إنجاز في تاريخ الأنظمة الكنسية: ابتكروا نظامًا جديدًا، نمارس فيه السينودسية والديمقراطية والمشاركة نظريًا، بينما تمارس الكنيسة السرّية العليا – الكنيسة العميقة السلطة فعليًا، بلا قانون وبلا حسيب أو رقيب.
إنه نظام فريد من نوعه. نظام تُحدَّد فيه الطاعات وفقًا للحاجة، وتُفسَّر فيه القوانين الكنسية وفقًا للمصلحة، ويُقرَّر فيه من هو مطيع ومن هو متمرّد، ومن يُكافأ بالنقل إلى رعية غنية ومن يُعاقب بالنفي إلى رعية نائية، ومن تُطبَّق عليه القوانين ومن تُعلَّق لأجله.
نظام تُنتقى فيه التعيينات، وتُفصَّل فيه الانتخابات الأسقفية تفصيلًا، وتُحجز فيه المناصب قبل شغورها، وتُستعمل فيه مؤسسات الكنيسة وأوقافها ومدارسها لخدمة النفوذ، وكل ذلك تحت عناوين برّاقة: مصلحة الكنيسة العليا، والطاعة وحماية الوحدة.
ومن الذي يدفع الثمن؟
كاهن الرعية. هو أساس الكنيسة وخادم المذبح الحقيقي. هو الذي يخدم ليلَ نهار؛ يُعمّد، ويدفن، ويسمع، ويركض بين المستشفى والبيت. هو الذي يبني الرعية بحجارة تعبه وعرق جبينه، ويقدم للناس الرجاء والفرح والأمان، بينما يفتقدها هو نفسه. هو بائع الظل الذي يقف في الشمس كي يجلس غيره في الظل.
ولكن فجأةً، يصبح هو المشكلة، ويتحوّل إلى المتّهم الدائم في هذه المعادلة. فإذا طالب بحقّه كابنٍ للأبرشية، قيل له: أنت تهدّد الوحدة.
وإذا سأل: أين أموال الوقف؟ قيل له: أنت لا تعرف أن تطيع. وإذا اعترض على سوء إدارة الأوقاف، اتُّهم بالتمرّد وعدم الطاعة. وإذا طالب بتطبيق قانون الكنائس الشرقية، سُئل عن ولائه ولمن ينتمي. وإذا تعب وطلب أن يرتاح قليلًا تحت ظلٍّ صنعه بيديه، أُبعد عن رعيّته وأحبّائه ومذبحه بأمر طاعة ليلي كالح.
وهكذا أضحى كاهن الرعية هو المموّل الإجباري لصناديق الأبرشيّة لا يعرف أين تذهب، والعامل الدائم المطلوب منه أن يسكت ويدفع ويخدم، وأشبه بالعدوّ الأكبر لهذا النظام: هو مصدر الخدمة، وموضوع القرارات، وهدف الوعظ، لكنه نادرًا ما يكون شريكًا في القرار الحقيقي.
أما السلطة الكنسية العميقة، فتبقى فوق المساءلة. تغيّر وجوهها، وتبدّل كراسيها، وتعيد إنتاج نفسها، وتقدّم للكهنة في كل مرحلة الوصفة ذاتها: وعود بالإصلاح، ورياضات روحية، وشعارات عن الشراكة والمحبة، ثم مزيد من الأعباء على كاهن الرعية. وفي النهاية يعود كل شيء كما كان.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: في الكنيسة السينودسية الحقيقية، القانون يحكم الجميع. أما في النظام الذي ابتُكر عندنا، فقد تحوّلت السلطة إلى من يقرّر متى يحكم القانون، وعلى من يُطبَّق، ولمن يُستثنى.
لكن السينودسية ليست أن تختار السلطة من تريد معاقبته، ولا أن تنتقي القوانين التي تخدم نفوذها.
السينودسية هي أن يخضع الجميع للقانون نفسه، الكبير قبل الصغير. وأن تكون الكنيسة أقوى من زعمائها، وأن يكون الكاهن شريكًا في حمل الصليب، لا مجرد موظّف ولاء.
نحن لسنا بحاجة إلى كنيسة جديدة، بل إلى كنيسة متجدّدة.
بحاجة إلى أن نعود إلى معنى الكنيسة الأولى:
كنيسة واحدة، واضحة، مسؤولة، تحاسب الجميع بالميزان نفسه، وتخدم الكاهن قبل أن تطلب منه أن يخدمها.


