وسط ضجيج الحروب التي تعصف بالعالم اليوم، وتزاحم صور الدمار والضحايا على الشاشات، قد تمرّ ذكرى 11 أيلول كأنها صفحة بعيدة من تاريخ أميركا. لكنها ليست كذلك. ففي ذلك الصباح من عام 2001، لم تسقط أبراج في نيويورك فحسب، بل سقط معها شعورٌ كامل بأن المسافات والحدود والقوة قادرة وحدها على حماية الدول.
كان صباحًا عاديًا، قبل أن يتحول خلال دقائق إلى واحد من أكثر الأيام رسوخًا في الذاكرة المعاصرة. أربع طائرات مدنية اختُطفت؛ اصطدمت اثنتان ببرجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، وثالثة بمبنى البنتاغون، فيما تحطمت الرابعة في بنسلفانيا بعدما قاوم ركابها الخاطفين.
وقُتل في الهجمات نحو ثلاثة آلاف شخص، من عشرات الجنسيات، إضافة إلى آلاف الجرحى، فيما حمل رجال الإطفاء والشرطة والمسعفون عبئًا إنسانيًا هائلًا، ودفع بعضهم حياته وهو يصعد إلى حيث كان الآخرون يحاولون النزول والنجاة.
لكن 11 أيلول لم ينتهِ في ذلك اليوم.
من تحت ركام البرجين خرج عالم مختلف. أعلنت الولايات المتحدة «الحرب على الإرهاب»، وبدأت الحرب في أفغانستان، ثم جاءت حرب العراق عام 2003 في سياق سياسي وأمني أوسع أعقب الهجمات، رغم أن العراق لم يكن مسؤولًا عن اعتداءات 11 أيلول. وتبدّلت قوانين الأمن والمراقبة والسفر، وتشددت إجراءات المطارات، واتسعت صلاحيات الأجهزة الأمنية، ودخل العالم مرحلة طويلة من الحروب ومكافحة الإرهاب والخوف المتبادل.
ومن هنا، ربما تكون الذكرى اليوم أكثر من مجرد استعادة لمشهد البرجين وهما ينهاران.
فبعد ربع قرن تقريبًا، تغيّرت أسماء الحروب والجبهات، لكن الإنسان ما زال يدفع الثمن نفسه. من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، ومن المدن المدمرة إلى ملايين النازحين واللاجئين، ما زال العالم يبحث عن الأمن عبر مزيد من السلاح، فيما تثبت التجارب أن القوة تستطيع أن تحسم معركة، لكنها لا تستطيع دائمًا أن تصنع سلامًا.
وفي 11 أيلول أيضًا درس آخر لا يجوز أن يضيع: الإرهاب لا دين له، والضحايا لا جنسية لهم عندما يسقطون. فالذين كانوا في البرجين لم يكونوا جيوشًا ولا حكومات، بل موظفين وعمالًا وأمهات وآباء وشبابًا بدأوا يومهم كأي يوم آخر ولم يعودوا إلى بيوتهم.
لذلك، فإن استذكار 11 أيلول لا ينبغي أن يكون تبريرًا لحرب، ولا مناسبة لإدانة شعب أو دين أو ثقافة، بل وقفة أمام الثمن الذي يدفعه الأبرياء عندما يتحول التطرف إلى فعل، وعندما تتحول السياسة إلى حرب مفتوحة لا تعرف أين تنتهي.
لقد تغيّر وجه نيويورك، وأعيد بناء الموقع، وارتفع «وان وورلد تريد سنتر» مكان الركام، لكن الذاكرة بقيت هناك، في أسماء الضحايا المحفورة وفي الحكايات التي لم تنتهِ عند عائلاتهم.
واليوم، فيما يبدو العالم واقفًا مرة أخرى فوق أكثر من برميل بارود، تستحق ذكرى 11 أيلول أن تُقرأ خارج حدود أميركا.
لأن السؤال بعد خمسة وعشرين عامًا تقريبًا لم يعد فقط: ماذا حدث في 11 أيلول؟
السؤال الأصعب هو:
ماذا تعلّم العالم من 11 أيلول، إذا كان لا يزال يصنع كل يوم أسبابًا جديدة للخوف والدم والدمار؟


