
لم يعد القطاع العام قادرًا على احتمال المزيد من الإذلال، ولا الموظف قادرًا على ملاحقة راتبٍ تذوب قيمته قبل أن يصل إلى يده، ولا المتقاعد قادرًا على مواجهة غلاءٍ يلتهم ما تبقّى من ثمرة سنوات خدمته.
كل يوم يحمل عبئًا جديدًا، فيما تبدو السلطة وكأنها تتفرّج على الانهيار من بعيد. رواتب تتآكل، حقوق معلّقة، ووعود لا تجد طريقها إلى التنفيذ، بينما يدفع الناس الثمن من كرامتهم ولقمة عيش أولادهم.
فليسمع جيّداً من يعنيه الأمر جيدًا…
لم يعد في الوقت متّسع للمماطلة، ولا في الناس قدرة على تحمّل المزيد. لقد استُهلكت الوعود واستُنفدت المهل، ولم يعد مقبولًا أن يُطلب من الناس الصبر فيما حقوقهم تتآكل يومًا بعد يوم.
القطاع العام ليس مزرعةً لأحد، وحقوق الموظفين والمتقاعدين ليست مِنّةً تُمنح ولا صدقةً تُستجدى، بل حقوق اكتُسبت بسنوات من العمل والخدمة. ومن يراهن على أن التسويف سيطفئ الغضب، يخطئ في قراءة حجم الاحتقان.
اليوم بدأ التصعيد، وغدًا قد يكون المشهد مختلفًا. فالناس حين تجوع لا تنسى، وحين تُهان لا تصمت، وحين تُوصَد في وجهها أبواب الحلول، تحمل مطالبها إلى الشارع، تحت سقف القانون وبالوسائل السلمية المشروعة.
إلى السلطة: تحرّكوا قبل أن تتحول سياسة شراء الوقت إلى خسارة ما تبقّى من ثقة الناس بالدولة.
المطلوب ليس مسكّنات ولا بيانات ولا وعودًا جديدة، بل تصحيح عادل للأجور، وإنصاف المتقاعدين، وحماية القدرة الشرائية، وإعادة الاعتبار إلى من حملوا الدولة على أكتافهم سنوات طويلة.
فالموظف الذي خدم دولته لا يجوز أن يصبح فقيرًا على أبوابها، والمتقاعد الذي أفنى عمره في خدمتها لا يجوز أن يقضي شيخوخته يحسب ثمن الدواء والخبز، والعسكري الذي حمل أمن الوطن على كتفيه لا يجوز أن يُترك وحيدًا في مواجهة العوز.
طفح الكيل… وانتهى زمن شراء الصمت بالوعود.
فالصمت حين يطول ليس دائمًا قبولًا… وعندما يبلغ الوجع مداه، تصبح الكرامة أعلى صوتًا من كل الوعود.


