قد يبدو العراق بعيداً عن لبنان ، لكن ما يجري فيه اليوم يستحق أن نراقبه جيداً . ففي البلدين مشكلة متشابهة . وجود سلاح خارج مؤسسات الدولة ، ومحاولة الدولة استعادة سيادتها الكاملة على السلاح والقرار العسكري .
العراق يخوض اختباراً صعباً في مسألة حصر السلاح بيد الدولة . فبعض الفصائل بدأ يتجه نحو فك الارتباط بالسلاح ، بينما لا تزال فصائل أخرى ترفض التخلي عنه . لذلك لم تعد القضية مجرد تسليم السلاح ، بل إعادة تنظيم العلاقة بين القوى المسلحة والدولة .
وهذا ما يجعل التجربة العراقية مهمة للبنان .
فالدولة لا تكون مكتملة السيادة إذا كان لديها جيش ، وفي الوقت نفسه توجد قوة مسلحة أخرى لها تنظيمها وارتباطها وسلاحها وقرارها ، وتستطيع أن تدخل الحرب من خارج القرار الرسمي .
قد يختلف اللبنانيون في أسباب وجود هذا السلاح ، وفي نظرتهم إلى المقاومة وإسرائيل والمخاطر المحيطة بلبنان . لكن هناك مبدأ لا يمكن للدولة أن تتنازل عنه . قرار الحرب والسلم يجب أن يكون للدولة .
فإذا أصبح السلاح جزءاً من مؤسسات الدولة ، يصبح قوة لها . أما إذا بقيت قوة عسكرية مستقلة عنها ، فنحن أمام ازدواجية في القوة والقرار ، مهما كانت الشعارات التي تبررها .
وهنا تكمن أهمية التجربة العراقية .
العراق لا يحاول فقط جمع السلاح ، بل الانتقال من مرحلة كانت فيها الفصائل المسلحة جزءاً من معادلة القوة السياسية إلى مرحلة يصبح فيها السلاح خاضعاً لقرار الدولة . وهذه العملية ليست سهلة ، وقد ظهرت صعوبات في تحديد آليات التنفيذ والمواعيد ، ما يؤكد أن المسألة سياسية وأمنية في آن .
لكن مجرد طرح حصر السلاح باعتباره قضية سيادية يحمل دلالة مهمة .
ولبنان أعلن بدوره التزامه بحصر السلاح الشرعي بيد الدولة . والتحدي الحقيقي هو كيفية الوصول إلى ذلك من دون الدخول في حرب جديدة .
وهنا يمكن الاستفادة من التجربة العراقية .
حصر السلاح لا يعني بالضرورة مواجهة عسكرية . يمكن أن يبدأ تدريجياً بتنظيم وضع المسلحين ، واستيعاب من تنطبق عليهم الشروط وضمن النسب المحددة ، ولا سيما أن هذه النسب في العراق تراعي تركيبته الطائفية ، كما في لبنان ، وفتح المجال أمام العمل السياسي ، بحيث يكون الحزب حزباً ، والسياسي سياسياً ، والعسكري تابعاً للمؤسسة العسكرية ، والسلاح للدولة .
فالهدف ليس إلغاء أحد ، ولا حرمان أي طرف من حقه في العمل السياسي .
الهدف هو إنهاء ازدواجية القوة .
الدولة القوية ليست التي تهزم أبناءها ، بل التي تجعل الجميع متساوين أمام القانون ، وتمنحهم حق المشاركة السياسية ، لكنها لا تسمح لأي فريق بامتلاك قوة عسكرية مستقلة عنها .
لكن ماذا سيحدث لحزب الله؟ وماذا سيحدث للدولة اللبنانية؟
إذا نجحت التجربة العراقية في الانتقال تدريجياً من سلاح الفصائل إلى سلطة الدولة ، فقد تشكل سابقة مهمة للبنان والمنطقة . أما إذا فشلت ، فسيعني ذلك أن المشكلة أعمق من لبنان والعراق ، وأنها تتعلق بنموذج كامل من العلاقة بين الدولة والقوى المسلحة المرتبطة بالخارج .
لذلك لا ينبغي للبنان أن ينتظر ما سيحدث في بيروت فقط .
علينا أن نراقب بغداد .
فما يجري في العراق اليوم قد يعطينا فكرة عما يمكن أن يواجهه لبنان غداً .
لن يكون الاختبار الحقيقي في كمية الأسلحة ونوعها التي ستُسلَّم ، بل في قدرة الدولة على أن تصبح صاحبة القرار الوحيد .
فلا لبنان ولا العراق يستطيعان بناء دولة مستقرة بسلاحين وقرارين .
فالدولة لا تستقيم إلا
بسلاح واحد ، وقرار واحد ، ودولة واحدة .


