لم تكن فرنسا يوماً القائد الوحيد للغرب، بل كانت واحدة من القوى الكبرى التي شاركت، إلى جانب بريطانيا ثم الولايات المتحدة، في صناعة القرار الغربي خلال مراحل مختلفة من التاريخ الحديث.

وليد ج. هلال
لكن ما تغيّر اليوم هو أن فرنسا بدأت تفقد جزءاً مهماً من المقومات التي كانت تمنحها موقع الشريك المؤثر داخل هذا المعسكر.
فالقوة الدولية لا تقوم على التاريخ والسمعة وحدهما، بل على الاقتصاد، والقدرة العسكرية، والتفوق التكنولوجي، والانتشار الخارجي، والتحالفات، والقدرة على فرض القرار.
وهذه العناصر لم تعد متوافرة لفرنسا بالزخم نفسه الذي كانت تتمتع به في الماضي.
فمن الناحية الاقتصادية، تواجه فرنسا أزمات داخلية متراكمة، وارتفاعاً في الدين، وضغطاً اجتماعياً ومعيشياً، وتراجعاً في قدرتها على تمويل طموحاتها الخارجية كما كانت تفعل سابقاً.
أما في إفريقيا، فقد خسرت جانباً كبيراً من نفوذها التقليدي، بعدما تحررت دول عدة من هيمنتها السياسية والعسكرية والاقتصادية، وبدأت تبحث عن شراكات جديدة مع قوى أخرى، مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا وتركيا.
وهذا التحول لم يحرم فرنسا فقط من أسواق ومواقع نفوذ، بل أصاب صورتها كقوة قادرة على الاحتفاظ بمجالها الحيوي التاريخي.
وعسكرياً، تبقى فرنسا دولة نووية، وعضواً دائماً في مجلس الأمن، وتمتلك جيشاً متقدماً، لكنها لا تستطيع أن تقارن نفسها بالولايات المتحدة من حيث حجم الترسانة، والانتشار العالمي، والقواعد العسكرية، والقدرات التكنولوجية، والإنفاق الدفاعي، والنفوذ داخل حلف شمال الأطلسي.
لذلك، فإن تراجع فرنسا لا يعود فقط إلى صعود الولايات المتحدة، بل أيضاً إلى وهن أصاب عناصر القوة الفرنسية نفسها.
فالولايات المتحدة اليوم هي صاحبة القرار الاستراتيجي الأول داخل المعسكر الغربي، بينما تتحرك فرنسا، ومعها معظم الدول الأوروبية، ضمن الخطوط الكبرى التي ترسمها واشنطن في القضايا الأمنية والعسكرية الدولية.
وفي عهد دونالد ترامب، أصبحت هذه الحقيقة أكثر وضوحاً.
فترامب لا يتعامل مع أوروبا باعتبارها شريكاً مساوياً، بل باعتبارها حليفاً عليه أن يلتزم، ويدفع، ويتحمل كلفة حمايته، ثم يسير ضمن القرار الأميركي.
وبهذا المعنى، فإن فرنسا لم تعد شريكاً في قيادة الغرب بالمعنى الذي عرفته في الماضي، بل أصبحت قوة مهمة، لكن ضمن نظام تقوده الولايات المتحدة بوضوح.
فرنسا لا تزال تملك الثقافة، والتاريخ، والدبلوماسية، والسلاح النووي، ومقعداً دائماً في مجلس الأمن، لكنها لم تعد تملك وحدها القدرة على تحويل هذه العناصر إلى نفوذ دولي حاسم.
لقد تقدمت أميركا كثيراً، وتراجعت فرنسا أيضاً.
وبين الصعود الأميركي والتراجع الفرنسي، اتسعت الفجوة، وتحولت فرنسا من شريك أساسي في صناعة القرار إلى دولة تحاول الحفاظ على مكانها تحت شمس القيادة.
إنه الحنين إلى مجدٍ ولّى، أكثر منه القدرة على استعادته.


